سياسةمحليات لبنانية

التعليم في زمن الكورونا:لبنان ليس مؤهلا للتعلم عن بعد

د. فيصل زيود – خاص الحوارنيوز
بعد ان اجتاح الكورونا (كوفيد-19) العالم وانتشر بشكل متسارع في أكثر البلدان، ما أجبر الكثير منها على اخذ قرارات بوقف عمل الادارات والمدارس وإقفال الحدود وجميع اماكن التجمع وفرض حجر على القادمين من البلاد الموبوءة، وذلك للحد من سرعة انتشار المرض والخوف من عدم القدرة على احتوائه، ومن المؤكد ان هذه القرارات سيكون لها انعكاسات سلبية كثيرة على الاقتصاد والتعليم والحركة السياحية والانتاجية وما الى ذلك.
كيف يواجه لبنان هذا المرض على صعيد الشأن التربوي؟ وما هي تداعياته على مصير العام الدراسي بعد اقفال المدارس منذ اكثر من ثلاثة اسابيع؟
هناك دعوات كثيرة في العديد من بلدان العالم باتباع التعلم عن بعد (التعلّم الالكتروني)، ووزارة التربية في لبنان دعت الى اتباع هذا التعلم، من هنا نرى أنه لزاما علينا التعريف عن هذا التعلّم.
التعلّم عن بعد أو التعليم الإلكتروني:
التعليم الإلكتروني هو نظامٌ حديثٌ للتعليم، يقضي باستخدام وسائلِ الاتصال الحديثة وشبكة الإنترنت والوسائط المتعدّدة، ويعتمدُ على إيصالِ المعلومة بأقصر وقت وأقلّ جهد وأكبر فائدة، وهناك نوعانِ للتعليم الإلكترونيّ:
النوع الأول: يُسمّى بالتعليم المتزامن، وهو الذي يتطلّب وجود المعلم والطالب في الوقت نفسه.
النوع الثاني: التعليمُ غيرُ المتزامن، وهو غير مباشر ولا يحتاج لوجودِ المعلّم والطالب في الفترة الزمنيّة نفسها.
وعلى الرغم من المزايا العديدة لهذا النظامِ من توفير للوقتِ والجهد، إلا أنّه ما زال يواجهُ العديد من السلبيّات والعيوب.
أ‌.  مزايا التعلّم عن بعد تضم:

1. سهولة وسرعة التواصل مع المعلّم والطالب حتى خارجَ أوقات الدوام الرسميّ، حيث تتوفّرُ العديد من وسائل التواصل الفوريّ عن بعد.
2. اختلاف أساليب التعليم وملائمتها للطلاب، فهناك طلابٌ يعانون من صعوبةِ التركيز، وتشتّت الانتباه، وعدم القدرة على تنظيم الأفكار، والتعليم الإلكترونيّ أتاح للمعلم إمكانيّة التركيزَ على الأفكارِ المهمّة ومراعاة النظام والترتيب في عمليّة الشرح لتكونَ المحاضرة منسّقة بصورة سهلة ومفهومة بسرعة.
3. توفر المادّة التعليميّة طيلة اليوم وكافّة أيام الأسبوع ساعدت الكثير من الطلاب على ترتيب وقت دراستهم، ومكّنتهم من القيام بأعمال أخرى إلى جانبِ الدراسة، فمن يُرِدْ أن يعملَ أو يلتحق بدوراتٍ أو ناد رياضيّ فيمكنه تنظيم وقته بشكل لا يتعارضُ مع الدراسة.
4. عدم اعتماد نظام التعليم الإلكترونيّ على الحضور الفعليّ للطالب، حيث يستطيع الطالب الدراسة في أيّ مكان يفضّله، ولا يتقيّدُ في الدراسة في الجامعة وسْط الطلاب أو في المكتبة.
ب‌. عيوب التعلّم عن بعد تشمل:

1. الحاجة إلى بنية تحتيّة، من حيث توفّر أجهزة حاسوب، وسرعة عالية للاتصال بالإنترنت، كما أنّ تكلفة تطبيقها عالية جداً.
2. يؤدي استخدام التعليم الإلكتروني إلى ضعف الدافعية نحو التعلم والشعور بالملل نتيجة الجلوس أمام أجهزة الكمبيوتر وشبكات الإنترنت والتعامل معها لفترة طويلة من الزمن، وخاصة إذا كانت المادة العلمية المعروضة خالية من المؤثرات السمعية والبصرية التي تجذب المتعلم نحو التعلم.
3. ضعف التفاعل المباشر بين المعلمين والمتعلمين والتركيز بالدرجة الأولى على الجانب المعرفي، وإضعاف دافعيّة الطلاب نحوَ التعلّم، بسبب قضاء الكثير من الوقت أمام شاشة الحاسوب والمواقع الإلكترونيّة.
4. فقدان الحوار, مما قد يؤثر على ذكاء الطالب المنطقي، فمن خلال الحوار و التعامل المباشر يتعلم الطالب أدب النقاش والإستماع وكيفية طرح الأسئلة واحترام الطرف الآخر وانتقاء الألفاظ والمصطلحات، وهذا ما لا يتوافر مع التعليم الإلكتروني.
5. يواجه بعض المتعلمين من خلال التعليم الإلكتروني صعوبة في التعبير عن آرائهم وأفكارهم كتابيًا، حيث إن العديد من المتعلمين يفضلون التعبير عن أفكارهم شفوياً وهي الطريقة التي اعتادوها سنوات طويلة من خلال دراستهم الأكاديمية، بينما يحتاج مستخدمو التعليم الإلكتروني إلى التمكن من المهارات الكتابية للتعبير عن أفكارهم وآرائهم المختلفة، ممّا يؤدي الى صعوبة التقييم وتطوير معاييره.
6. فقدان العامل الإنسانيّ في العمليّة التعليميّة، وغياب الحوار والنقاش الفعّال، ويحد التعليم المبرمج من قدرة المتعلم، كما أنّه يخفّض مستوى الإبداع والابتكار في الإجابات في الامتحانات، حيث يكون على الطالب أن يجيب بإجابة البرنامج نفسها، وليس هناك مجال لمناقشة الإجابة أو فهمها بطريقة مختلفة لأنه يقيده باستجابة معينة وهي الاستجابة الصحيحة الموجودة في البرنامج والتي عليه أن يتعلمها.
7. إنه يقدم المعلومات للتلاميذ بطرق مجزأة بحيث لا يستطيع التلميذ أن يكوّن فهما متكاملا للمادة التعليمية .
8. الحاجة إلى وجود متخصّصين لإدارةِ أنظمة التعليم الإلكترونيّ، فهو نظامٌ غير بسيط ويحتاج إلى دراسة وذكاء في التنفيذ والتطبيق، لذا لا بدّ من وجود كادر مؤهّل وقادر على إدارة هذا النظام التقنيّ.

9. وجود عددٍ كبير من المعلمين الحاليين غير قادرين على استخدام التقنية الرقميّة بطريقة تمكّنهم من التعامل معها، والتدريس من خلالها، لذا لا بدّ من عقد دوراتٍ مكثّفة لمساعدتهم.

10. الميل إلى العزلة وتراجع التواصل مع الآخرين، فقد خلصت دراسات علمية الى أن الأجهزة الإلكترونية مثل التلفزيون والحاسوب وألعاب الفيديو تؤدي إلى الميل إلى العزلة وتراجع التواصل مع الآخرين، ونادت بضرورة تفادي هذه الآثار السلبية.
11. لا يصلح التعليم المبرمج لفهم جميع أهداف تدريس العلوم , فتنمية مهارات البحث العلمي، وتنمية الاتجاهات العلمية، وتنمية القدرة على تذوق جهود العلماء،وهذه جميعها، من الصعب تحقيقها عن طريق التعليم المبرمج.
الخلاصة..
بات التعلم عن طريق الإنترنت قضية مثيرة للجدل، فاستخدامه من ناحية يشكل الكثير من المرونة والفعالية في التعامل من حيث الزمان والمكان والإنجاز. إلا أنه من جهة أخرى يعد مشكلة حين يكون مدعاة للكسل والتأجيل، بحجة أن العلم موجود "لا يطير"، فلا مانع إذن من بعض التأخير. لذا، فإنه لابد من موازنة الأمور واستغلال الفرص المتاحة، ففي النهاية الوقت الذي يذهب لا يعود!
اعتقد أنّ للتعليم المباشر منافع وفوائد كثيره وذلك لأنه يكمل حقيقة التعلم والتعليم، حيث ان العملية التعليمية تشمل في مكوناتها صياغة الفرد فكرا وبنائه اجتماعيا، لجهة التواصل مع الزملاء والبحث المشترك والمراجعة والاطلاع على انماط مختلفة من الافكار وطرق التعلم والتعليم، التي تؤدي بدورها الى إثراء المتعلم من جميع النواحي، ولا يمكن ان يجدها المتعلّم بكل ابعادهاعن طريق التعلم عن بعد، وكذلك الاحتكاك المباشر مع المحاضر او العالم في العملية التعليمية مهم جدا في ترسيخ المعلومة وتصحيحها وجعلها حقيقه مرئيه مما يجعلها تترك الاثر في قوة التفاعل والابداع اضافة الى روح التنافس التي يفتقدها التعلم عن بعد وما لها من تأثير.
وأخيرا وانطلاقا مما تقدّم نرى ان لبنان ليس مؤهلا بعد لهذا التعلم (تعلم عن بعد) لا بل سيكرّس التمايز والتمييز بين التلامذة وخصوصا الذين لا يستطيعون الوصول الى المعلومات وشرح الدروس نظرا لعدم توفّر ووجود الوسائط لديهم،  او لعدم توفر الانترنت أو السرعة العالية للاتصال بالإنترنت، كما أنّ تكلفة تطبيقها عالية جداً، ويضرب بذلك العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص ومفهوم المساواة في لبنان نظرا لتفاوت الامكانيات بين الناس، وهنا ستكون النتيجة كارثية على ابناء الطبقة الفقيرة اي تلامذة المدارس الرسمية.
لذلك ندعو وزارة التربية الى عدم السير بهذا التعلم وفي هذه الفترة لأن النتائج ستكون سلبية، لا بل ستضرب ابناء الطبقة الفقيرة، ناهيك عن التلامذة الذين هم بمستوى وسط او ما دون ذلك.
*باحث تربوي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى