سياسةمحليات لبنانية

التحالف الخفي بين السياسي والمواطن

 

حيدر شومان
قال المواطن: لمَ يهتم اللبناني كثيراً في السياسة؟ ألم يرَ في السياسة شرورها وبلاءاتها وشياطينها؟ ألم تنتج السياسة حروباً وصراعات وزعامات وأمراضاً منذ وُلد هذا البلد الصغير؟ أفلا يعيش إلى اليوم كوارثها في الاقتصاد والمال والمجاعة والوباء ويترقب فرجاً قريباً لا يلوح طيفه ولو من بعيد؟ فأجابه الاقتصادي بثقة زائدة: هناك تقاطع كبير وترابط وثيق بين السياسة والاقتصاد، ولن يفقه اللبناني العاقل مفردات الإنتاج والتوزيع والإنفاق وأسواق العمل وغيرها من العلائق الاقتصادية ما لم يبحر في يمّ السياسة الرحيب.
فالاقتصاد ممر طويل من سلك أغماره بنجاح انتهى إلى منفذ تضيء السياسة بابه وترسله إلى عالم النجاح والسمو المادي الرفيع. لم ترضِ هذه الإجابة فضول المواطن ولم تسكت كلماتها حيرته. فبرز رجل المال بكرشه العظيم وقال بكثير من الغرور: إن للمال سحراً لا يلج عالمه الواسع إلا من خبر تأثير المال الأخّاذ في كل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والدينية والتربوية، وحيث إن السياسة طيف يسبح في أجواء كل تلك العلاقات صار لزاماً عليه الخوض في معتركها. المال والسياسة طريقان يلتقيان عند كل مفترق، ويتّحدان عند كل المحطات، ولا يفترقان ما دام الليل والنهار. المال والسياسة عنوانان كبيران لمضمون في الحياة واحد، وشعاران عظيمان لمعارك في الحروب واحدة، وسيفان بتّاران ليد في المبارزة واحدة. فهزّ المواطن رأسه خائباً ونظر إلى رجل العلم العصامي بوجهه الهزيل وعينيه الثاقبتين وهو يقول: لقد خاب أمل اللبناني من الأفق الضيق الذي أحرزه له العلم ووفّرته له الشهادة العلمية، حيث لا الثقافة العالية ترسم الأحلام الوردية، ولا الذكاء الحاد يرفع القبس المشع الذي يضيء له طريق الآتي الدامس فلا يجد مفراً سوى أن يلعن لون العتمة. لم يعد لصاحب الشهادة تلك السطوة التي تفرضها معرفته ويضفيها علمه، لقد انقلبت المقاييس وتبدّلت الاتجاهات، إذ من الجور أن يعمل أهل العلم لدى السياسي الأحمق الجاهل الذي ورث مقاليد السياسة عن أبيه وجده، أو عملت الحرب العمياء على تكريسه زعيماً حاكماً بأمر السياسة والسلطة والنفوذ.  
فانتفض السياسي بشيء من الغضب وكثير من الكبر، ورمى بسيجاره الفاخر وقال بزهو: كم يحلو للفاشل أن يعزو فشله إلى تبريرات فارغة وأسباب تافهة يختبئ وراءها لكيلا يشعر بالنقص أمام نجاحات الآخرين. السياسة وسيلة يجب أن تسير بالوطن دوماً إلى الأمام وتزيل أية عوائق تدفعه نحو الوراء أو الجمود… قد تتلوّن هذه الوسيلة بألوان زاهرة، وأحياناً شاحبة، وقد تزيل أي لون من أجل غاية فيها التقدم والازدهار. لا أخلاق في السياسة لأن الهدف أسمى من كل الأخلاقيات، والأساس في معادلة السياسة هو الوطن وإن كانت التضحية في كثير من الأحايين بالمواطن وحياته. فسأل المواطن بهمس خائف: أوَليس خير المواطن هو خير للوطن؟ فقال السياسي والدهاء يشعّ في عينيه: ليس للخير مفهوم واضح المعالم، بل إن له أبعاداً تتسع وتضيق حسب الظروف المحيطة بكل أمر، فقد يكون الخير في اقتلاع عيني بريء لكيلا يجتاز عقله خطوطاً حمراء تسيء بقوة للصالح العام… وقد يكون الخير في إضعاف الاقتصاد وإفقار الناس وتجويعهم وحرمانهم من الاستشفاء والدواء، ولا مانع من السماح لمعارضة الظلم القائم بالتظاهر وإقفال الطرقات وحرق الممتلكات الخاصة والعامة وتوفير وسائل الإعلام للسبّ والشتم والاتهام… وقد يكون الخير في جرائم قتل داخلية، وإيقاظ فتن طائفية ومذهبية، وإيقاع تفجيرات انتحارية…
فقال المواطن بأسى: وقد يكون الخير أحياناً في تفجير مرفأ في عاصمة؟ فقال السياسي وبسمة خبيثة تكلل وجهه: هذا صحيح، ولو سقط عشرات الشهداء ومئات الجرحى ودُمرت آلاف البيوت، آن لك أن تستيقظ من سباتك، فالأمور واضحة جلية لكنك لا تريد أن ترى. فقال المواطن غاضباً: أليس الخير في قتلك وإراحة الناس من شرورك؟ فقال السياسي ضاحكاً: لن يفيدك ذلك شيئاً، فلست وحدي في ميدان السياسة، وأنت وأمثالك من يصنعنا ويرفعنا ويحمينا ويغنينا، ولا تملكون من أمركم سوى الشكوى والتذمّر واتهام بعضكم بعضاً، الأمور واضحة جلية يا بني، لكنك لا تريد أن ترى.      

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى