
الحوارنيوز – تقرير خاص
أشعلت تصريحات نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس حول نتائج الانتخابات النصفية الأميركية وهزيم الجمهوريين بقيادة دونالد ترامب، أشعلت جدلا واسعا على المستوى الأميركي الداخلي وفي منطقة الشرق الأوسط، وهي تطرح جملة من الأسئلة لا بد من التوقف عندها،وتتمحور حول كلمتين :”ماذا بعد”؟
ماذا عن الحرب المفتوحة على إيران ؟
ماذا عن العلاقات الأميركية الإسرائيلية؟
ماذا عن لبنان والإحتلال الإسرائيلي والعدوان المستمر على أراضيه؟
إن قراءة موضوعية يمكنها الإجابة على هذه الأسئلة التي تطرح نفسها بحرارة اليوم :
لا تقتصر تداعيات الانتخابات النصفية الأميركية على التغيير في موازين القوى داخل الكونغرس، بل تتجاوزها إلى انعكاسات سياسية واستراتيجية قد تطاول مجمل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، من الحرب مع إيران إلى طبيعة العلاقة مع إسرائيل، وصولاً إلى مستقبل الوضع اللبناني في ظل المواجهة الإقليمية المفتوحة.
فخسارة الجمهوريين الغالبية في مجلسي النواب والشيوخ، وفق النتائج المعلنة، تضع الرئيس دونالد ترامب أمام واقع سياسي جديد، عنوانه تراجع قدرته على تمرير أجندته بسهولة، واضطراره إلى التعامل مع كونغرس تسيطر عليه المعارضة الديمقراطية. ومع أن هذه النتائج لا تنتقص من صلاحياته الدستورية في السياسة الخارجية وقيادة القوات المسلحة، فإنها تفرض قيوداً سياسية وتشريعية ورقابية على إدارته، وتزيد صعوبة تمرير الموازنات والقرارات والتعيينات.
وتعكس النتائج، في جانب أساسي منها، اعتراض شرائح واسعة من الناخبين على الأوضاع الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلاً عن القلق من تداعيات الحرب على إيران وما تفرضه من أعباء مالية وأمنية، ومن مخاطر ارتفاع أسعار الطاقة واتساع نطاق المواجهة. وبذلك، يجد ترامب نفسه أمام اختبار مزدوج: المحافظة على صورته كرئيس قادر على فرض المصالح الأميركية، وتجنب الانزلاق إلى حرب طويلة تستنزف الاقتصاد والرصيد السياسي لإدارته.
الملف الإيراني
يبدو الملف الإيراني الأكثر تأثراً بالتحولات الانتخابية الأميركية. فالحرب، بما تفرضه من أعباء اقتصادية وعسكرية، باتت تشكل تحدياً داخلياً للإدارة الأميركية، الأمر الذي يعزز دوافع البحث عن مخرج تفاوضي، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الأهداف الاستراتيجية الأميركية تجاه طهران.
وتواجه واشنطن معادلة دقيقة: استمرار الحرب يرفع كلفتها الداخلية والإقليمية، بما قد يؤدي الانسحاب من دون اتفاق إلى اتهام الإدارة بالعجز عن تحقيق أهدافها. ومن هنا تبرز أهمية المساعي الدبلوماسية والوساطات الإقليمية للتوصل إلى تفاهم يشمل البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، والضمانات المتبادلة.
لكن الخيار العسكري لم يسقط نهائياً، إذ إن استمرار الخلافات حول الشروط الأميركية والإيرانية، واحتمالات وقوع احتكاكات عسكرية جديدة، يبقيان المنطقة أمام احتمالات التصعيد.
وتبدو طهران معنية باستثمار الضغوط الداخلية التي تواجه ترامب لتحسين شروط التفاوض، فيما يسعى الرئيس الأميركي إلى اتفاق يمكن تقديمه للرأي العام باعتباره إنجازاً سياسياً وأمنياً. وبين هذين الهدفين تتحدد طبيعة المرحلة المقبلة.
أميركا وإسرائيل
على مستوى العلاقة الأميركية الإسرائيلية، لا تشير نتائج الانتخابات إلى احتمال انهيار التحالف الاستراتيجي بين البلدين، لكنها قد تفتح مرحلة أكثر تعقيداً في إدارة هذه العلاقة.
فسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس تمنحهم قدرة أكبر على مراقبة المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، ومناقشة صفقات الأسلحة، وطرح أسئلة أكثر صرامة بشأن العمليات العسكرية في غزة ولبنان وإيران، ومدى توافقها مع المصالح الأميركية والقانون الدولي.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية في ظل وجود تباينات بين ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بشأن إدارة المواجهة مع إيران، وتوقيت إنهائها، ومدى تأثير العمليات الإسرائيلية على فرص التوصل إلى تسوية.
فبينما تحتاج واشنطن إلى احتواء الحرب وتخفيف أعبائها الاقتصادية والأمنية، تتمسك الحكومة الإسرائيلية بمواصلة الضغط العسكري لتحقيق أهدافها الأمنية والإقليمية. وهذا التباين قد يصبح أكثر وضوحاً في المرحلة المقبلة، خصوصاً إذا رأت الإدارة الأميركية أن استمرار العمليات الإسرائيلية يعرقل التفاوض مع طهران أو يهدد المصالح الأميركية في المنطقة.
وعليه، فإن التحول المحتمل لا يكمن في التخلي الأميركي عن إسرائيل، بل في زيادة الضغوط عليها، ومحاولة ضبط هامش حركتها العسكرية بما يتناسب مع الحسابات الأميركية.
لبنان والعدوان
أما لبنان، فيجد نفسه أمام تداعيات مباشرة لهذه التحولات، نظراً إلى ارتباط جبهته الجنوبية بالمواجهة الإقليمية، وإلى تداخل الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية في تحديد مستقبل الوضع الأمني فيه.
فواشنطن قد تكون أكثر ميلاً إلى منع توسع الحرب، خصوصاً إذا كانت تسعى إلى تسوية مع إيران، في حين تتمسك إسرائيل بالتعامل مع الجبهة اللبنانية باعتبارها ملفاً أمنياً مستقلاً، وتصر على معالجة ما تعتبره تهديداً من جانب حزب الله.
وهنا تبرز إحدى العقد الأساسية: هل يشمل أي اتفاق أميركي إيراني وقف العمليات العسكرية في لبنان، أم يجري فصل الجبهة اللبنانية عن مسار التفاوض، بما يترك إسرائيل حرة في مواصلة عملياتها؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد جانباً أساسياً من مستقبل لبنان. فإدراج الجبهة اللبنانية في أي تفاهم إقليمي قد يفتح الباب أمام تثبيت وقف إطلاق النار وتخفيف الضغوط العسكرية، أما فصلها عن المفاوضات فقد يترك البلاد أمام احتمالات استمرار الاعتداءات أو تجدد المواجهة.
وفي المقابل، لا توجد مؤشرات كافية على تحول جوهري في الموقف الأميركي من حزب الله، إذ ما زالت واشنطن تنظر إليه باعتباره جزءاً من النفوذ الإيراني في المنطقة، وتتمسك بسياسة الضغط عليه. لكنها تواصل التمييز بين موقفها من الحزب ودعمها للمؤسسات الرسمية اللبنانية، ولا سيما الجيش اللبناني.
ومن هنا تبرز مسؤولية الدولة اللبنانية في التحرك على المستويات الدبلوماسية والسياسية والداخلية، لمنع تحويل لبنان إلى ورقة تفاوضية بين القوى الإقليمية والدولية، ولتثبيت السيادة اللبنانية ووقف الاعتداءات الإسرائيلية، وإطلاق حوار وطني جدي حول استراتيجية الأمن الوطني ودور المؤسسات الشرعية في حماية البلاد.
ثلاثة مسارات أمام المنطقة
في ضوء هذه المعطيات، تبدو المنطقة أمام ثلاثة احتمالات رئيسية:
الأول، التوصل إلى تسوية أميركية إيرانية مرحلية تشمل الملف النووي ومضيق هرمز والعقوبات، وتترافق مع تفاهمات لوقف المواجهات العسكرية، بما فيها الجبهة اللبنانية.
الثاني، استمرار سياسة الاحتواء والاشتباكات المحدودة، مع بقاء المفاوضات مفتوحة من دون اتفاق نهائي، وهو ما يعني استمرار حالة عدم الاستقرار والتوتر في المنطقة.
أما الثالث، فهو انهيار المفاوضات وتجدد الحرب الواسعة، بما يحمله ذلك من مخاطر على الخليج والعراق ولبنان، وعلى أمن الطاقة والملاحة الدولية.
في المحصلة، لا تعني نتائج الانتخابات النصفية الأميركية نهاية التحالف مع إسرائيل، ولا التخلي عن سياسة الضغط على إيران، لكنها تعكس تغيراً في البيئة السياسية التي ستدار من خلالها هذه الملفات.
فترامب بات مطالباً بموازنة ثلاثة اعتبارات: تجنب الاستنزاف العسكري والاقتصادي، والمحافظة على المصالح الاستراتيجية الأميركية، وعدم الظهور بمظهر المتراجع أمام إيران أو إسرائيل.
ومن المرجح أن تشهد المرحلة المقبلة محاولة أميركية لإعادة ترتيب الأولويات، والانتقال من المواجهة المفتوحة إلى الضغط والتفاوض والاحتواء، من دون التخلي عن الأهداف الأساسية لواشنطن في الشرق الأوسط.
أما لبنان، فهو أمام فرصة دبلوماسية ينبغي عدم تفويتها، لكنه في الوقت نفسه أمام مخاطر لا يمكن الاستهانة بها. إن التحدي الحقيقي أمام الدولة اللبنانية يتمثل في امتلاك موقف وطني موحد، وتفعيل الحضور الدبلوماسي، وحماية وحدة البلاد وسيادتها، بما يضمن ألا يكون مستقبل لبنان مجرد نتيجة جانبية للمساومات الجارية بين القوى الكبرى والإقليمية.
لذلك ينبغي على الدولة اللبنانية أن تتحرك على ثلاثة مستويات:
أولاً: المستوى الدبلوماسي
توسيع الاتصالات مع واشنطن وباريس والأمم المتحدة والدول العربية، لتثبيت وقف الاعتداءات الإسرائيلية، والتمسك بالسيادة اللبنانية والقرارات الدولية ذات الصلة.
ثانياً: المستوى الوطني الداخلي
إطلاق حوار جدي بين اللبنانيين حول استراتيجية الأمن الوطني، ودور الدولة والجيش، وكيفية حماية لبنان من الانزلاق إلى مواجهة إقليمية لا يملك وحده قرارها أو نتائجها.
ثالثاً: المستوى الإقليمي
عدم عزل لبنان عن أي مفاوضات تتعلق بأمن المنطقة، والعمل على ضمان عدم تحويله إلى ورقة تفاوضية بين واشنطن وطهران أو إلى ساحة مفتوحة للحسابات الإسرائيلية.



