سياسةمحليات لبنانية

الإصلاح والمســــــألة الوطنيــــة: لبنان تحت وصاية صندوق النقد الدولي

 

نظير جاهل* – يوســف كلوت*


أعد كل من الدكتور نظير جاهل والدكتور يوسف كلوت دراسة تناولت خطة الحكومة الإصلاحية وتوجهها لإعتماد خيار صندوق النقد الدولي لما تفترضه مسارا إجباريا للخروج من الأزمة الإقتصادية والمالية.
تنشر "الحوارنيوز" الدراسة كاملة نظرا لغناها وطبيعتها الموسوعية:

  تأتي الخطة التي أقرَّتها حكومة الرئيس حسان دياب من حيث سياقها ومضمونها العام كإقرار واستكمال لما انتهت إليه الحقبة السابقة التي  تعنونت بسوليدير والدين العام، ما انتهت إليه من إفلاس ونهب وانهيار لتوازنات الكيان والبناء عليه وترسيخ  نتائجه، فيما الصندوق المقترح إنشاؤه لـ "استيعاب الخسائر" في لبنان يبدو كعملية سطو "قانوني" على أموال المودعين وأملاك الدولة أي "شركة سوليدير مصرفية عقارية" تستنسخ وتستكمل منطق شركة "سوليدير العقارية الأصلية" التي أطلقت دينامية الدين العام وما تلازم معه من نهب وإفساد وفساد منذ التسعينيات من القرن العشرين.
هذا ويطغى عليها عموماً وجهة مؤتمر باريس 3 وبعض مواد قانون سلسلة الرتب والرواتب ومؤتمر سيدر1 وفذلكة موازنتي 2019 و 2020 والورقة التخريبية المُسماة "إصلاحية" التي أقرتها الحكومة السابقة بالإجماع، وهي وجهة قائمة على تصفية منجزات دولة الرعاية الاجتماعية المتعلقة بالتوظيف والرواتب والتقديمات الاجتماعية والتقاعد والمواقع الوظيفية والحصانات الوظيفية، وتستبدل الاعتماد على سياسة الموازنة بسياسة نقدية تُفلِّت سعر الدولار إلى حدود كارثية. والأهم هو أن قبول هذه الحكومة التي يشارك فيها حزب الله ويدعمها بضرورة اللجوء إلى التمويل الخارجي عبر صندوق النقد الدولي يبدو كإستسلام للوصاية الدولية.
وبهذا المعنى تعبِّر الخطة الحكومية التي تدعي الإصلاح عن وجهة معاكسة تماماً لنموذج الإصلاح الوطني الحقيقي الذي تقدِّمه الإنتفاضة الشعبية والمرجعية الدينية العليا في العراق التي تطرح المسألة الوطنية وتتشبَّث بالعراق كوطن لا كساحة، وجهة معاكسة كونها تغيِّب هاتين المسألتين الهامتين. ولذلك تطرح هذه الخطة سؤالاً حول ما إذا كانت السلطة الإيرانية تحاول بعد اغتيال الجنرال سليماني وتراجع نفوذها في العراق أن تُبقي حزب الله خارج أي تسوية لبنانية مع الإدارة الأميركية، تسوية تتطلب التراجع بما يؤدي إلى تحقيق توازن كياني داخلي يموضع حزب الله بموجبه قوته في إطار الكيان اللبناني، وهل هي بإزاء ذلك تفضِّل التراجع عبر هذه الخطة أمام الهيمنة الأميركية التي تعيد الكيان اللبناني إلى وضعية من الوصاية أشبه بالإنتداب بغية الحفاظ على هذه القوة  للتعويض عن خسارتها وتراجع قدرتها التفاوضية الناتجة عن تفلُّت الحشد الشعبي من نفوذها، وللإبقاء على لبنان كساحة ضرورية للحؤول دون أن يرتد عليها ما أصاب محورها الإقليمي من تفكُّك.
لذلك لا تُقرَأ هذه الخطة بداية بمفردات إقتصادية تفترض حقلاً إقتصادياً يرسم حدوده دولة -أمة  راسخة، بل ككشف حساب سياسي، وهو ما يسمح  ببناء نموذج لفهم الظرف المصيري الذي يمر به الكيان اللبناني، وذلك من خلال استعادة الأطوار التي شهدت تبدلات توازاناته الداخلية بالعلاقة مع تقلبات حقل التوازنات الدولية الاقليمية، في محاولة لتحديد الإحتمالات المستقبلية التي تنفتح عليها المرحلة الراهنة.
ترابط أشكال الوساطة وصيغ التوازن السياسي
  لقد مر الكيان اللبناني منذ استقلاله وإلى يومنا هذا بحقبات ثلاث يمكننا الإستدلال على طبيعتها من خلال تشابك دور الوساطة الإقتصادي مع طبيعة توازن حقل الكيان السياسي. وذلك إبتداء من الكيان كوطن ممكن حيث ترافقت "الوساطة الإقتصادية الخارجية" بين رأسمالية المركز والعالم العربي مع "التوازن بالغلبة" بين الطوائف. ومروراً بالكيان "الساحة" حيث انتقلت الوساطة الى الداخل (الوساطة الداخلية) بعد أن تحوَّلت إلى عملية نهب للمجتمع بالتركم الأولي تقوم بها قوى السطة بواسطة المصارف وبالتبعية للخارج في ظل "توازن سلبي" إقليمي دولي. وصولاً إلى المرحلة الراهنة التي تشهد  تعطُّل دور الوساطة وانهيار التوازن الكياني.
فــي المرحلـــــة الأولــــى ســــــاد "مصـــرف الوســـاطة التجاريـــة الإعتمادي"، وفـــي المرحلــــة الثانيـــة ســـــاد "مصرف الوســـاطة العقارية والدين العام"، واليــــــــوم يســــــود "مصرف العقوبات الأميركية ووكيل صندوق النقد الدولي".
"التوازن بالغلبة" والوساطة الإقتصادية الخارجية
  من المُعبِّر أن يكون المنظِّر للبنان بعد الاستقلال، والمنظِّر "للوساطة الإقتصادية" بين الغرب الرأسمالي والبلدان العربية، والمنظِّر للديمقراطية الطائفية، هو الشخص نفسه، ومن المُعبِّر جداً أن يكون هذا الشخص هو "ميشال شيحا" مالك بنك فرعون شيحا .
لقد ساد "النمط الإقتصادي السياسي الوسيط" الكيان اللبناني على أرضية الغلبة الغربية وتجزئة المنطقة إثر سقوط السلطنة العثمانية، وذلك منذ الإستقلال وحتى الحرب الأهلية، وتميَّز هذا النمط بأهمية موارده الخارجية أي المداخيل  والتمويلات (الرساميل والهبات) التي ترِدَه من الخارج، وهو ما يتبيَّن من أرقام المحاسبة الوطنية العائدة لتلك المرحلة. وبالفعل تظهر تركيبة ميزان المدفوعات في الفترة بين ١٩٦٥ و١٩٧٢ بشكل نمطي اعتماد لبنان على الموارد الخارجية، وذلك من خلال ارتفاع عجز الميزان التجاري وفائض ميزان الخدمات دون أن يتمكَّن هذا الفائض من تغطية العجز التجاري، بحيث أن ميزان العلميات الجارية كان يسجل بشكل نمطي عجزاً لا يغطى في إطار المحاسبة الوطنية العامة إلا بفائض ميزان الرساميل، الذي لم يُغطي العجز فقط، بل كان يشكِّل زيادة صافية في ميزان المدفوعات. غير أن هذه الزيادة لم تؤدِ إلى رسملة داخلية منتجة لا من خلال الآليات الإقتصادية ولا من خلال المصارف، ذلك لأن قطاع الخدمات الطاغي على الإقتصاد كان يقوم على الخدمات المصدرة التي كانت تشكِّل في هذه الحقبة ما يقرب نصف إجمالي الخدمات المنتجة، وهو ما يدل على أن هيمنة قطاع الخدمات مرتبط عضوياً بانفتاح الاقتصاد على الخارج ،أي على كونه وسيطاً بين المراكز الإقتصادية العالمية والمحيط العربي. غيــــــــــر أن جميع القوى اليسارية التي كانت وما تزال تطالب بتحويل الإقتصاد الخدماتي الريعي إلى إقتصاد منتج كانت تتجاهل مسألة أساسية، وهي أن "نظام الوساطة الإقتصادي" لا ينفصل عن "الكيانية السياسية" التي قامت على "التوازن بالغلبة الطائفية" التي تمثَّلت آنذاك بالمارونية السياسية في الداخل، والتي عبَّرَت في الخارج عن تجزئة المنطقة وهيمنة الدول الغربية.
وبالفعل كان من المستحيل إحداث أي تقدُّم نحو إنشاء دولة رعائية متوازنة من دون تبديل في حقل التوازن الدولي الإقليمي ومن دون وجهة سياسية داخلية تفعِّله، وهو ما تمثل بالتجربة الشهابية (نسبة إلى الرئيس فؤاد شهاب). لقد كان من غير الممكن في إطار "النمط الإقتصادي السياسي الوسيط" قبل التجربة الشهابية استيعاب الفوائض المالية، وذلك في وضعية معاكسة لما يعانيه الإقتصاد اللبناني اليوم من جراء الدين العام والنهب المقونن المتلازم معه. وهي وضعية تشير إلى ميل داخلي لتشبُّع الرأسمال الوسيط وليس إلى ظرفٍ ينبئ بانهياره التلقائي.
أما هذا الميل إلى التشبُّع فنتج عن عدم القدرة على امتصاص الفوائض باستيراد السلع الاستهلاكية الذي كان يفترض توزيعاً آخر للدخل من خلال زيادة الأجور، وهو ما بدا متعثراً في إطار الإقتصاد الوسيط الذي يعيد إنتاج علاقات توزيع طائفية تحد من تشكُّل حركة نقابية فاعلة، وهو ما يفسِّر حدود الجهود النقابية الملحوظة التي شهدتها هذه المرحلة. وكذلك فقد بدت القدرة على استيراد التجهيزات الصناعية هي الأخرى محدودة في ظل سيادة الوساطة الإقتصادية الخارجية بين الغرب الرأسمالي والمحيط العربي. أي أن الصناعة لم تكن تستوعب الفوائض التي تراكمها القطاعات الأخرى، ذلك لأن نِسَب التوظيفات محكومة بمعدلات أرباحها. ما يعني أن الرساميل لا تُستَوعَب في الصناعة إلا حين تفوق الأرباح الصناعية أرباح التجارة أو معدلات الفائدة أو تعادلها على الأقل. ومن هنا يظهر قصور وزيف الوجهة التي كانت تدعو وما تزال إلى تخطِّي الأزمات الإقتصادية إنطلاقاً من السياسات المصرفية باعتبارها عنصرا مفتاحياً ومتغيراً مستقلاً يوفِّر القدرة على تحويل الودائع إلى قروض لآجال طويلة أو متوسطة، فالمصارف من حيث بنيتها لا تنشأ في نطاق سياسي إقتصادي إلا شكلاً يعكس دائرة الحسابات العامة المرهونة بالتوازنات السياسية الخارجية والداخلية. ولذلك ظلَّت المصارف في ظل النظام الإقتصادي الوسيط تضطلع بوظيفتها الأساسية ألا وهي مركزة الموارد الخارجية وتوجيه قسم منها للإستيراد بما هي وسيط في الدورة الخارجية للإقتصاد.
لم ينفصل دور المصارف في لبنان من الإستقلال إلى الحرب الأهلية عن الوساطة الإقتصادية بين الغرب الرأسمالي والمنطقة العربية، ولذلك لم تنفصل هذه الوساطة الإقتصادية عن التوازن السياسي الإستراتيجي الدولي الإقليمي الذي قامت عليه غلبة المارونية السياسية. فكل ما في الكيان اللبناني هو إقتصادي وسياسي بالوقت نفسه والعكس صحيح، وكل تغير يطرأ على ميزان القوى الدولي الإقليمي يؤثِّر على التوازن الطائفي الداخلي، وهذا هو المقصود بمصطلح الكيان.
غير أن ذلك لا يعني أبداً استحالة نشوء أي وجهة سياسية إقتصادية بنائية تدفع بالصيغة الكيانية نحو مزيدٍ من التماسك الوطني، وذلك بتجيير القوة المتكونة في الحقل الإقليمي إلى داخل الكيان من خلال الإمساك بالمسألة الوطنية كمدخل لمواجة المسألة الإقتصادية التي لا يمكن مواجهتها بتغيير العلاقة بين القطاعات أو بدور القطاع المصرفي أو بأدوات نقابية بحتة. وفي هذا المجال توفِّر التجربة الشهابية نموذجاً يُثبِت هذه النظرة لدينامية التغيير التي لا يمكن أن تبدأ في منطقتنا المجزأة عامة وفي لبنان خاصة إلا بالإمساك بالمسألة الوطنية وذلك بالدفع نحو المزيد من التفلت من التبعية على كل المستويات الإقتصادية والسياسية والتربوية والثقافية.
لقد عبَّرت الشهابية عن قدرة المارونية السياسية، بالإستناد إلى مؤسسة الجيش، على تجيير تبدُّل ميزان القوى الذي أحدثتة مصر الناصرية إلى داخل الكيان، وذلك لمواجهة أزمة إقتصاد الوساطة الخارجية من خلال استخدام الفائض المالي لتبديل دور الدولة وتوسيع القطاع العام بزيادة الإستثمار بالمؤسسات والمشاريع العامة ومؤسسات الخدمة العامة والرعاية الإجتماعية. لم تستطع التجربة الشهابية إحداث تغيير تاريخي مُستدام، غير أنها أشارت بوضوح إلى أن أي إصلاح لا يتم  في لبنان إلا بإعادة توازن الكيان ودفعه نحو مزيد من التماسك الوطني، وأن دور القطاع المصرفي يكثِّف في كل حقبة الوضعية الناتجة عن تشابك الإقتصاد الواقعي مع توازنات القوى السياسية ولا  يمكن أن يكون مدخلاً لتغييرها.
"التوازن السلبي" ومعادلة الساحة
  إنتهت "الوساطة الإقتصادية الخارجية" مع ما خلَّفته الحرب الأهلية من دمار للبنية الإقتصادية، بالإضافة إلى ما كان لتطور البلدان العربية والنفطية منها خاصة من أثر أدّى إلى الإستغناء عن دور لبنان في المنطقة. لقد أدَّت الحرب الأهلية إلى ضرب المارونية السياسية، وحل على أثر ذلك مكان "التوازن بالغلبة" الذي كان يؤمِّن تماسكاً رجراجاّ للكيان "توازن سلبي" دولي إقليمي بدأ مع الوصاية السورية على لبنان وترسَّخ مع تحوُّل الكيان اللبناني إلى ساحة بفعل ارتباط حزب الله بالنفوذ الإيراني بشكل عضوي.
  لقد استطاعت المارونية السياسية رغم بناء غلبتها على النفوذ الغربي أن تتفلَّت نسبياً من هذا النفوذ مستندة إلى ما تبقَّى من علاقات أهلية قرابية طائفية، بعد تعرُّضها للتدمير بفعل العنف الإستعماري الرأسمالي غير الانتاجي، لتعقد تسوية شكَّلت صيغة كيانية مناسبة للوساطة الكيانية الإقتصادية، وهي التسوية التي تُعرف بـ "الميثاق الوطني". وهو ما ماسَكَ  الصيغة الكيانية وجعلها صيغة تنحو إلى شكل الإطار الوطني المستقل. أي أن "التوازن بالغلبة" كان توازناً خاضعاً لحقل نفوذ تتحكَّم أطرافه بالتوازن الداخلي من خارج، مما سمح بهامش سياسي نسبي للطوائف، وهو ما يفسِّر قدرتها على إقامة تسوية داخلية، رغم ارتباطها بالخارج. وبتعبير آخر شكَّل "التوازن الإيجابي بالغلبة" قاعدة لبناء صيغة وطنية غير مكتملة، فيما "التوازن السلبي" المستجد إثر الحرب الأهلية بدا كصيغة لانهيار وطني ناتج عن ميل الكيان المستمر إلى االتفكُّك والتحوُّل إلى ساحة لأطراف خارجية تستخدمه لإدارة توازناتها.
ومن هنا لم يكن الطائف إلا إطاراً شكلياً غير متحقق على مستوى الممارسة السياسية، يخفي رغم أهميتة كصيغة دستورية، تحوُّل لبنان إلى ساحة لأطراف خارجية، وذلك بعد سقوط مشروع المارونية السياسية وعجز المكوِّن السياسي السني والمكوِّن السياسي الشيعي عن تشكيل أي غلبة أو أي تسوية لعدم قدرتهما على التفلُّت النسبي من الحقل الإقليمي الدولي، وهو ما عبَّر عنه مشروع الإعمار الذي تمثَّل بـ "انتقال الوساطة الإقتصادية إلى الداخل" وبالموازاة مشروع المقاومة الإسلامية الذي جسد "التوازن السلبي" على المستوى العسكري السياسي. ولئن صبَّ المشروعان في إطار الصراع الإقليمي السعودي الإيراني، فإنهما قد تلازما واقعاً من حيث كونهما ديناميتين مرتبطتين وإن بصورة مختلفة بوجهة الإرتهان الإقتصادي للنفوذ الأميركي.
فرغم ما أنجزه مشروع إعادة الإعمار فإنه جسَّد بحقيقته ميلاً لإعادة إنتاج الساحة المُفكَّكة، لكونه جسَّد إنتقال "الوساطة الإقتصادية الخارجية" إلى "وساطة داخلية" تقوم على التراكم الأولي وتوسُّط المصارف بين السلطة والمجتمع على قاعدة اللاإنتاج والنهب والإرتهان من خلال آلية الدين العام. وفي حقل "الوساطة الداخلية" هذا ترسَّخ مشروع المقاومة الإسلامية، ورغم تصدِّيه للمسألة الوطنية العامة واستكمال التحرير، فإنه شكَّل عنصراً أساسياً في حقل "التوازن السلبي" الدولي الاقليمي، عنصراً متموضعاً بمعادلة الساحة المفكَّكة، مستفيداً منها مُتكيِّفاً مع النمط الإقتصادي القائم على "الوساطة الداخلية"، تلك الوساطة التي تحوَّلت معها المصارف إلى إطار وآداة لتحالف الرأسمال العقاري وأطراف السلطة، وهو تحالف اعتاش على نهب المجتمع  وتقويض الدولة من خلال السطو على الملكية العامة وتعطيل الخدمة العامة وتخريب الوظيفة العامة.
ومن هنا يمكننا القول إنَّ الوساطة المستجدة (الوساطة الداخلية) هي آلية نهب للداخل، آلية تراكم أولي تتمثل بالدرجة الأولى بالدين العام وتتركَّز بالعلاقة بين المصارف والشركة العقارية. وإذا كانت شركة سوليدير اقتضت إطلاق آلية الدين العام، فان القراءة الإقتصادية الإجتماعية لما حصل تكشف  التلازم بين الأمرين، فالشركة التي قامت على استكمال السطو على الملكيتين الخاصة والعامة الذي حصل إبَّان الحرب الأهلية لم تكن من حيث وظيفتها الرئيسية إلا افتتاحاً لآلية الدين العام وديناميته التي تفاقمت عاماً بعد عام. وبالفعل فإن ملكية شركة سوليدير جمعت بين إلغاء الحقوق العينية والإستيلاء على الملكيات الخاصة، وبين ضرب منطق ووظيفة الملكية العامة من خلال تعاملها مع الدولة بصيغ تعاقدية ألغت الدور الأساسي للملكية العامة في تشكيل المجال العام وتحديد تقسيماته ومفاهيمه الأساسية، وأهمها المحافظة على السوق التجارية شبه التقليدية. من هنا لا بد من القول إن تعطيل المجال العام بالشكل المذكور طال أيضاً المالية العامة بقدر ما طال الملكية العامة، وهو ما يظهر من العدول عن إعداد قطع الحساب العام والميزانية العامة وتعطيل القانون الناظم لهما لسنوات وسنوات.
إن التعطيل الطويل للموازنة لم يتم فقط بالعلاقة مع "سوليدير" لأن المسؤولين عنه يرتبطون بها، بل حصل كنتاج مباشر، لما لقانون ملكية الشركة وغلبته في الحقل القانوني، من مفاعيل تفكيكية على القانون المعوِّض والقانون عامة، مفاعيل عطَّلت قانون الملكية العامة وانتظامها وإعادة إنتاج الإطار الحكومي لسنوات، وشلَّت قدرة الإدارة العامة على الإمساك بآليات انتظام وظائفها وآليات انتظام الخدمة العامة. إن هذه النتائج تشكل مصداقاً مباشراً لما نقصده بأثر غلبة الملكية العقارية على المجال القانوني، مصداقٌ يدحض المقولة التي تذهب إلى اعتبار كل ذلك مجرد خلل عارض أو تقصير إداري.
يكشف ما تقدَّم أن "التوازن السلبي" المستجد منذ بداية مرحلة الطائف لم يؤدِّ إلى تحول الكيان البناني إلى ساحة بالاقتصار فقط على تجاذبه من الخارج، بل من خلال الإمعان بتفكيك  الدولة  والإقتصاد واللحمة الإجتماعية من الداخل، وهو ما يجعل الإنهيار الحالي إنهياراً بنيوياً وليس نتاج ظرف عارض أو فساد سياسي أو إداري يمكن تفسير بآداء الأفراد مهما علا شأنهم.
إنهيار "التوازن السلبي" و"التوازن الكياني"
  أدَّى تلازم سيادة "التوازن السلبي" الدولي الإقليمي مع الإرتهان المتصاعد للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والدول المانحة بفعل الدين العام الذي يُشكل الوجه الأساسي لنهب الداخل من قبل أطراف السلطة المحلية، إلى استهلاك معادلة الساحة بعد تدمير الإقتصاد وتهشيم المجتمع بدينامية استَكمَلت الحرب الأهلية بعنف بارد ومستمر، وهو ما أدَّى بدوره إلى انفتاح الوضع اللبناني على المرحلة  الراهنة التي تتميَّز من جهة بانتهاء "التوازن السلبي" الدولي الإقليمي ومن جهة ثانية ببلوغ "الوساطة الداخلية" كآلية نهب مراحلها القصوى، ومن ثم استبدالها بالنهب من خلال تفليت سعر الدولار في  مسار يصب بعد اكتمال الإرتهان بوضع لبنان تحت الوصاية الدولية المباشرة.
  لقد شكَّل اغتيال الجنرال قاسم سليماني إعلاناً بإنهاء حقبة "التوازن السلبي" الأميركي الإيراني، وقد حصل ذلك في الحقيقية إثر سقوط سوريا وتحوُّلها بصورة رئيسية إلى ساحة للنفوذ الدولي. وهو ما  استكمل  وفاقم ما كان  للإنسحاب السوري من آثار سلبية عميقة على الموقع الايراني الذي تشكَّل في طي التقدُّم الأميركي في أفغانستان والعراق،ما دفع حزب الله إلى مزيد من الإنخراط في الساحة اللبنانية للتعويض عن انحسار الدور الأمني السياسي للوصاية السورية، وهو ما جعله أكثر تعرُّضاً وتأثُّراً بما يشهده الكيان من ميل إلى التفكُّك والإفلاس والإرتهان المالي والسياسي، وبما يشهده أيضاً من قابلية للتحوُّل إلى آداة لتحكُّم السياسة الأميركية به وعبره بكل القوى السياسية بما فيها حزب الله. وقد اعتمد الحزب لمواجة هذا التحكُّم على مناعة "زئبقية" في المجال المالي تستمد طاقتها من جهة بتمويله بالدولار مباشرة من المركز الإيراني، ومن جهة ثانية بتوطيد موقعه الحكومي للاستفادة من تفكُّك الساحة ومن استباحة أطراف السلطة لها بتخريب إنتظامها القانوني والاداري، غير أن هذه المواجهة "من الباطن" للهجوم التحكُّمي الأميركي من خلال استثمار الإرتهان العام للإقتصاد اللبناني المستنزف بالدين العام والنهب ، أدَّت إلى تحويل الساحة اللبنانية إلى آلية توريط وتطويق بيد النفوذ الأميركي، وذلك من خلال تفعيل  العقوبات والإمساك بالمسارب التي تسمح لحزب الله بتعويض نضوب التمويل الإيراني،  ما جعل تقدُّم حزب الله في نصاب السلطة للتفلُّت من  حقل التحكُّم إمعاناً بالتورُّط وهو ما سهَّل إحكام الطوق عليه. وهكذا تحوَّلت الساحة اللبنانية المرتهنة المأزومة التي استفاد منها حزب الله لآداء دوره الإقليمي إلى آداة دولية لتطويقه، وذلك بعد سقوط سوريا وضبطها دولياً هي الأخرى. وفي وضعية التطويق هذه التي استكملت انهيار "التوازن السلبي"، يمارس النفوذ الأميركي المزيد من الضغوط والتحكُّم من خلال دور القطاع المصرفي المستجد والمتمثل بتسهيل  تهريب الأموال المنهوبة وتنفيذ العقوبات على حزب الله، وهو ما يضاعف فعالية العقوبات بتقليص فرص الإستفادة من موارد الساحة الداخلية لما أصابها من نضوب.
في ظل قرار الإدارة الأميركية بإنهاء "التوازن السلبي" مع إيران واشتداد ضغوطها التمويلية العامة على لبنان وعقوباتها الخاصة على حزب الله، يلجأ حزب الله إلى تقوية مواقعه في السلطة التي تتَّجه وهو في نصاب قرارها الفعلي إلى مزيد من الإرتهان والقبول بالوصاية الدولية، متمسكاً بالإضطلاع بدوره الإقليمي في حقل من "التوازن السلبي" هو الآن في حالة الاحتضار كما أشرنا، وهو بذلك يقود معادلة الكيان للإنهيار كاشفاً عجزه التكويني عن استخدام ما حقَّقه من إنتصارات وطنية على العدو الإسرائيلي ومن مكانة شعبية طائفية، للدفع باتِّجاه تسوية وطنية تؤمّن درجة من الإستقلال بدل التمسُّك بالساحة والمواقع السطوية، التي تقوده وبعكس ما يتوقَّع ويرتجي منها إلى الإنزلاق نحو مزيد من الإرتهان للنفوذ الدولي. وهو ما حصل حين قاد الحزب هجوماً مركزاً على حاكم مصرف لبنان انتهى كما أورده الصحافي نقولا ناصيف في جريدة الأخبار بتكليف الحكومة اللبنانية ثلاث شركات تنتمي إلى ما يُدعى "المجمع العسكري الصناعي" لتدقيق حسابات المصرف المركزي، أي أن الحكومة اللبنانية كلَّفت شركات تعمل مباشرة بتوجُّهات الحكومة الأميركية!
بالمقارنة مع نموذج التجربة الشهابية لا تمثل الحكومة الحالية أي نصاب سياسي قادر على عقد تسوية وطنية تُخرج الكيان اللبناني من معادلة الساحة المنهارة لترسي مساراً إصلاحياً إقتصادياً يتفلَّت من السياق الإنهياري المتسارع الذي يدفع الكيان المترهِّل من وضعية الإفلاس والإرتهان لصندوق النقد الدولي إلى الوقوع التام تحت الوصاية الدولية. وهذا ما يتَّضح أصلاً من المنطق العام الذي يحكم خطتها الإصلاحية والذي يتأسَّس على الوجهة التي أرساها مؤتمر سيدر1 وقبله باريس3 والتي تعتمد على التمويل الخارجي للدول المانحة. ولئن كان هذا التمويل المعتمد على الخارج يبدو الآن لا مفر منه بعد النهب الذي ترافق مع سيادة منطق الساحة، فإنَّ لا شيء يسمح بالتبشير بتحوُّله إلى رافعة لاستعادة توازن الكيان ونهوضه واسترجاع الدولة لفعاليتها الإصلاحية. بل  إن استهلاك موقع الرئاسة الثانية لإنقاذ معادلة الساحة ودور حزب الله الإقليمي بعد استهلاك الرئاسة الأولى التي انعقدت بسياق خروج نسبي على الوجهة الأميركية، يؤشِّر إلى إصرار السياسة الإيرانية على اعتماد معادلة الساحة والأذرع والأوراق بعد فقدانها فعاليتها واستدارجها للدمار.
وما يمكننا استخلاصه من خلال مقارنة الوضعية الإنهيارية في لبنان بالتجربة العراقية الراهنة، هو أنَّ ادِّعاء حزب الله الإصلاح الإداري والإقتصادي، واستعادة "التوازن السلبي" المنهار لصالح السيطرة الأميركية لا يؤدِّي إلا إلى تغييب المسألة الوطنية والإنزلاق في منحدر إنهياري يرتد من الساحة اللبنانية ليطال الداخل الايراني. ففيما تحاول  وجهة السلطة الإيرانية من خلال الإستحواذ على حركة الطائفة الشيعية ووضعها في مواجهة الإنتفاضة الشعبية لحصر هذه الانتفاضة داخل حدود معادلة الساحة ومنعها من توليد تسوية وطنية توقف إنهيار الكيان، وفيما تُمعِن بصرف قوة المقاومة الإسلامية في إطار المعادلات الحكومية، تلتحم في العراق فصائل الحشد الشعبي الموالية للمرجعية الإسلامية العليا في النجف الأشرف وتتجه لنصب خيامها في ميدان التحرير في بغداد، وذلك بعدما رسمت بخروجها على حقل "التوازن السلبي" الدولي الإقليمي وباستقلالها عن النفوذ الايراني ورجوعها الى كنف الدولة العراقية، أفقاً وطنياً إستقلالياً يبقى أي إصلاح دونه فاقداً للمعنى. وهو ما يمكن أن نستخلصه من النموذج الذي قدمه الإمام السيد موسى الصدر ومن تجربته الإصلاحية الوطنية التي أسهمت في ترسيخ التسوية الشهابية ودفعتها لمزيد من عدالة التوازنات الطائفية والإجتماعية.
إن العبرة  التي يمكن استخلاصها  بالنسبة للبنان  من النموذج العراقي الوطني الذي تقدِّمه الإنتفاضة الشعبية بالتناغم مع المرجعية الدينية المرجعية الدينية في النجف الأشرف ،هو أن أي تفاوض يقوم  بين المجتمع الدولي والدولة اللبنانية قبل أن تجد صيغة وطنية ذاتية للجمع بين الجيش والمقاومة في إطار سيادتها الفعلية وذلك بإقرار الاستراتيجية الدفاعية التي أصبحت على ما يبدو نسياً منسيا ،لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإرتهان في سبيل الإبقاء على معادلة الساحة التي لم توفِّر يومــــــاً الطاقة اللازمـــة لاستمرارها، وقد بات اليوم الإصرار على التمــــسك بها وهي تتهاوى تضحية مجانية بالوطن.

* نظير جاهـــــل: أستاذ متقاعد في معهد العلوم الاجتماعية – الجامعة اللبنانية.
* يوسـف كلوت: دكتوراه في علم الاجتماع.


المراجـــــع:
1- كلوت، يوسف: تحوُّلات النظام الاقتصادي الاجتماعي في لبنان بعد اتفاق الطائف/التحالف العقاري المصرفي من الوساطة الخارجية إلى التراكم الأوّلي في الداخل، أطروحة دكتوراه، الجامعة اللبنانية، بيروت، 2017-2018.
2- "خالد جابر" وهو إسم مستعار لـ "نظير جاهل" و"إلياس خوري": الســـــلطة والتـــــوازن في لبنــــــــان، مجلة شــــــؤون فلســـــــطينية، العـــــدد 50/51، تشرين الأول_تشرين الثاني 1975.
3- مقررات مؤتمري: باريس3 وسيدر1.
4- الورقة "الإصلاحية" التي أُقرت بالإجماع في حكومة الرئيس سعد الحريري الأخيرة.
5- موازنتي الدولة اللبنانية لعامي 2019 و2020.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى