دولياتسياسة

إيطاليا في زمن الكورونا : مسموحات تشجبها مراسيم وتتفرد بها أقاليم

هدى سويد ـ إيطاليا
تتعاقب المسموحات كما العقوبات في إيطاليا لما يفرضه وباء كورونا المستجد ،بعد ما أقرته الحكومة بشخص رئيسها جوزيبي كونتي في شهر نيسان (أبريل) وما تضمنته المرحلة الثانية ببعض مسموحاتها ومستقبل الإيطاليين معها ، بدءا من الرابع من شهر أبريل، والتي تمثلت بتنقل الإيطالي ضمن إقليمه للضرورة القصوى ،ويُعنى بها بشكل رئيسي الصحّية أو الغذائيّة ، بينما كانت محصورة ببلديته ، على أن يعقبها كما أعرب حينها باتساع الرقعة وفقا لالتزام الإيطاليين وما ينجم عن الفترة هذه سلبا أو إيجابا.
  وهكذا كان.. فمع  انحسار الوباء ــ رغم عدم توقف الإصابات تحديدا في إقليم لومبارديا الشمالي حيث بلغت الأرقام الإجمالية في إيطاليا حتى اللحظة  حوالي 744 إصابة و179 حالة وفاة ــ  أعلن رئيس الحكومة الإيطالية مُجددا (وإن كان مضمون إعلانه  انتشر منذ البارحة بل قبل أيام ) عن اتساع رقعة الحرية بدءا من  الثامن عشر من شهر أيار/ مايو الجاري ، بافتتاح المطاعم والمقاهي ،وان قيل أنها ستشمل  صالونات الحلاقة كما يتردد على لسان بعض أصحابها (استثنى المرسوم منذ الإعلان عن المرحلة الثانية في شهر نيسان  محال الحلوى ، الجيلاتي أو البوظة  وصالونات الحلاقة كونها مُدرجة بالأعمال اليدوية ، ناهيك عن محلات الألبسة ) مُطمئنا المعنيين في هذا القطاع  بعودتهم للعمل بدءا من الأول من شهر يونيو ـ حزيرن القادم ).
ولعل أبرز ما تضمنته المرحلة الثانية للحرية تشجيع ودعم السياحة المحليّة التي بلغت خسارتها 16 مليار يورو حسب الإحصاءات ــ ذلك بالطبع مع فتح معابرالأقاليم ــ بتقديم مساعدة للمواطن الراغب بإجازة سياحية داخل وطنه ما بين 500و200 يورو (حسب العدد إن كانت عائلة أو شخصا مفردا ) بالطبع مع محرمات بمعنى ألا يتجاوز إيراد السائح هذا عن الخمسين ألف يورو !
على ضوء الفترة هذه يكون الإيطالي على أبواب المرحلة  الثالثة أو تُجمّد عند سابقتها دون العودة للوراء إن أسعف الحظ الإيطاليين  الذين بدأوا يتذمرون من مراسيم ممنوعات لم يعتادوا عليها ،كما لم يعتد العالم بأسره على النمط الكوروني هذا للحياة ، كتشديد المراسيم على الإلتزام بأمرين أساسيين الكمامة وما تقتضيه النظافة إلى جانب احترام المسافة ،ناهيك عن تقييد حركة تنقله بين الأقاليم ، ما دفع البعض والإعلام المُجير يمينيا إلى تسمية كونتي بالديكتاتور. لكن الجميع يعلم أن بلدا شاسعا يُعد شعبه بالملايين مختلف في الرأي ،وقسم كبير منه يستخف بالقوانين  المدنية، لا يمكن إلّا فرض ما اعتمدته وما سنته الحكومة باختصاصييها  للحد من الخسائر البشرية والاقتصادية بصورة أوسع ، لأن الوباء لم يختف وبوسعه الانتشار من جديد إن لم يلتزم المواطن بالبديهيات هذه .
هذه المراسيم تكاد تكون منضبطة في أقاليم ومفتوحة على مصراعيها في أخرى تحظى بسلطات مميزة نظرا لاستقلاليتها الإدارية وهي أربعة ، وكل ما هو ممنوع في أقاليم أخرى مسموح كما شهدنا اليوم  تحديدا في إقليم ترانتينو آلتو أديجه المعروف سياحيا حيث انتشرت حركة التجول والتبضع ما بين المحال كما المقاهي ، المطاعم ، صالونات الحلاقة ومراكز التجميل (كذلك الحال في أقاليم شمالية لا تندرج ضمن السلطات تلك، لكنها محسوبة سياسيا على أحزاب يمينية معادية للحكومة ) .


الكمامة باتت متوفرة للمواطن، وبعد طول غياب استلمناها بداية من مندوبي البلدية والدفاع المدني مجانا ، كما هي بكم هائل في  الصيدليات والسوبرماركت كالخضار والفواكه التي لم تنقطع ، وبسعر لا يتجاوز النصف يورو كما قررته الحكومة ، رغم تلاعب بعض الصيدليات والمحال بأسعارها لغاية 2 يورو مؤخرا ، بل أكثر من قبل عند انتشار الوباء ليصل إلى 20 يورو كسعر وسطي ، إلى أن توقفت حاليا بعدما دعت الجهة الرسمية لمقاطعتها وإقفال محال من تسنى الإبلاغ عنهم، لأنه من غير المسموح المتاجرة  بها أبدا ،كما تم من جهة أخرى إقفال سوبرماركت ومحال لم يتقيد العاملون فيها باستخدام الكمامات ، كما التحقيق مع كل أصحاب المحال والمقاهي التي افتتحت تحت رغبة رئيسة إقليم كالابريا الجنوبي جولي سانتيللي اليمينية ،معارضة بخطوتها تلك القرارات الرسمية المانعة حينها منذ شهر  .
تدريجيا تُستعاد الحياة درجاتها، وما منعها الوباء عن القيام به الذي كان أقله متعة المشي على رصيف أو في حديقة وقبالة البحر . وبعدما كانت الطرقات تصفر بالفراغ والوحدة ورائحة الموتى إن جاز التعبير، وخروج الحيوانات المتوحشة والأليفة من مخابئها نحو الشوارع والساحات التي سنتذكرها في شيخوختنا يوما ما إن قيدت لنا الحياة سنين أخرى ،بات مُمكنا  اليوم  رؤية مُشاة ودراجات هوائية ، سيارات  تتجه للعمل وإن كانت محدودة في المعامل ، المؤسسات المتواضعة من الكترونية وغيرها ، كما حافلات النقل التي سجّلت أعلى رقم انتقال ركاب ما بين ميلانو ونابولي الذين حجزتهم الكورونا بعيدا عن أهاليهم وأحبائهم ،  استثناهم المرسوم بالتنقل ما بين الأقاليم للقاء أهاليهم ، علما أن العمل لم يتوقف نهائيا كما قد يعتقد البعض في الفترة السابقة ،أي في بدايات مجزرة الكورونا ، ناهيك عن أن مؤسسات عديدة ومعروفة استبدلت تجارتها بصناعات تلائم المرحلة كصناعة الكمامات ومواد تعقيم .
أمّا الحياة الثقافية بما فيها المعارض والمتاحف بزخمها البشري  المعتاد في إيطاليا ، كما المسارح والسينما، فمؤجلة على ما يبدو للمرحلة الثالثة ، فهي غير مُجهزة بما تقتضيه الكورونا بعد من تعقيم واحترام المسافة ، حسبما أفادني ألبيرتو المسؤول ألإداري لمجموعة صالات هنا في مدينة سرزانا . كذلك هو الحال بالنسبة للأماكن الدينية ، وتحديدا إحتفالات الكنائس من قداديس وغيرها ، واقتصار المآتم حاليا على عدد بسيط  لا يتعدّى عدد المشاركين فيها  العشرة أشخاص كما تم تحديده رسميا ، وكأن مراسيم الصلاة ستصبح شبيهة بالإسلامية حين تغدو أعدادها غفيرة لا تتسع بها المساجد التي كانت تستقبل المؤمنين خارجها ، حيث كان العديد من المصلين يؤدون صلاتهم في الساحة المحاذية لأداء الصلاة ، وإن كان المسلمون لن يتغير عليهم الأمر كثيرا مع قوانين الكورونا المُستجدة ، فإن المسيحيين في إيطاليا سيجربون العادة هذه، ولكن على مقاعد أُعدت لهم ، وحسب ما توصلت إليه  الكنيسة أو بعضا منها وتحديدا الصغيرة ستلجأ إلى هذا الحل، كما أشار رجل دين  ممن كان يستخدم مكبر الصوت مناديا الناس للمشاركة في بيوتهم بالشعائر الدينية عند كل صلاة طوال فترة الكورونا حين كان ممنوعا التجمع أو التوجه إلى الكنيسة  ، وأنه سيتم الاستعانة  بالساحة نظرا لما تقتضيه الآثار السلبية للمسافة من تقليص الأعداد المشاركة .
لعل أبرز ما أثارته المرحلة الثانية تجلّى بأكثر من نقطة إنسانية عاطفية أبرزها جمع الأهل والأصحاب . فقد حرمت الكورونا التزاور وحالت دون زيارة المُسنين والمعاقين في دور الرعاية التي أقفلت أبوابها بوجه الزوّار منذ الثالث من الشهر الجاري . ومن ناحية أخرى منعت انتقال ألأبناء والأحفاد من رؤية أهلهم وأجدادهم بسبب وجودهم في أقاليم أخرى، إمّا بسبب العمل أو الدراسة ما حال دون التواصل بسبب مرسوم حالة الطوارئ .
من ناحية أخرى  كانت ردات فعل سلبية أبرزها تأخر دفع المساعدات المقررة للجميع لغاية البارحة  ،إن جاز التعبير، بسبب البيروقراطية التي تتسم بها إيطاليا ، للجميع ، ناهيك عن تأجيل مباشرة عمل صالونات الحلاقة ومراكز التجميل ، ما أثار حنق المُزينين ولم يزل، وإن باشر هؤلاء الإتصال أو الرد على زبائنهم ، لتحديد مواعيد لهم  ستُقتصر على عدد محدود حسبما تقتضيه السلامة وما فرضته الكوورونا المُستجدّة ما غيّر برنامج أصحابها وأربكها . ومن جهة أخرى أثار ذلك حنق النساء فأشارت الكوميدية لوتشيانا ليتيزيتو في رد لها على كونتي قائلة بما معناه  :" نحن النساء لن نستطيع التأجيل ، ليس بوسعنا الصمود أكثر  ، "مُنغّمة" على الحكومة "كما أن الأول من يونيو يُصادف يوم الإثنين الذي تُقفل فيه أبواب صالونات الحلاقة  وفي الثاني يُصادف عيد الجمهورية بالتالي ليس بوسعنا الإنتظار لغاية الثالث من يونيو "،مُضيفة " أنظر ما حلّ بنا هل هذا مقبول ؟ مشيرة بذلك  إلى نمو الشعر الأبيض .
من جانب آخر تغيّر المشهد التلفزيوني والفيديوهات التي تُسوّقها المرحلة هذه  دون غياب الإرشادات التي اعتدنا عليها أكثر ولم تعد كابوسا أو فوبيا كما كانت عليه  ،وتأتي في الصدارة استعدادات المطاعم لتغيير تقنياتها وديمومتها ، بعدما أقفل معظمها المُقدر بحوالي خمسة آلاف ما بين مطعم ومقهى وإن كانت تُقدّر بأكثر . وعلى سبيل المثال أعلنت شركة تضم سلسلة من 12 مطعما  في إيطاليا عن تحويلها في هذه الفترة إلى ما يُسمّى "مطعم دون صالة" المنتشرة في أوروبا ، وتعويض ذلك بأسلوب دليفري راق حسب أنواع أطباقه المميزة .و لم يكن الإيطالي يعتمد عليه كأسلوب بديل عن ارتياده للمطعم .. أمّا التجار الذين وجدوا لهم فرصة في هذه الجائحة ، فتعمل معاملهم على تزويد المطاعم الشجاعة الراغبة باستقبال الزبائن مستقبلا بألواح بلاستيكية عازلة سواء ما بين زبونين على الطاولة الواحدة أو ما بين طاولة وأخرى ،حسبما تقتضيه المسافة التي تتراوح ما بين المترين والأربعة  ، أمّا تكاليف اللوح العازل بقياس 200/250 سنتم فيصل إلى حوالي 250 يورو، هذا علما أن توفره في السوق بات متعذرا.
يبدو كل شيء معقدا ومن يستخف بما أورثته لنا الكورونا من معايير جديدة أقلها على سبيل المثال لإعادة فتح مدرسة ( الجدير في ذكره أن المدارس ستفتح أبوابها في أيلول)  أو صالة سينمائية ، مقهى ، كنيسة أومسجد كان أصلا موجودا يتطلب  بروتوكولات لا تحصى مع ما يترتب عليها من ميزانيات ، وإن كان الإيطالي يسعى للإعتياد على الواقع المغلوب عليه أمره ما بين المسافة والبرقع، كما شئت تسميته منذ البداية ، سواء في المحال الغذائية أو الاستهلاكية وصرف الوقت في صف ليته يكون معتمدا بصورة دائمة في إيطاليا "مع تقليص للمسافة!" أو استخدام العوازل سواء على الوجوه ، الأيدي أو الأماكن إلخ ..إنما هي أمور سطحية بالطبع مقابل ما حل من خسائر إنسانية واقتصادية عالمية وما نجم من أضرار ومستجدات فرضتها الكورونا ،وبالتالي مراحل سلمها إن حصلت  مقارنة بالخسائر ، لكن مما لا شك فيه عند سماع الأصوات المنادية بعودة الحياة الاقتصادية وتشريع الأبواب للرزق ومنع تفاقم البطالة  ينتاب المرء أمران يُختصران بأن لا إقتصاد ممكنا بدون أو في غياب الصحة ،ومن جهة أخرى الفقر لا يعرف ولا يعترف بالكورونا .
    

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى