دولياتسياسة

إيران:نهاية غير دبلوماسية لمحمد جواد ظريف*(علي هاشم)

كتب علي هاشم

هي لحظة انتظرها محمد جواد ظريف طويلا، كان يدرك، كحال كل سياسي في منصب عام، أنها ستأتي عاجلا ام آجلا، استعجلها مع نهاية فترة الرئيس السابق حسن روحاني الأولى عام 2017، لكن النظام في تلك اللحظة المفصلية كان يحتاج له‌ في ظل وضع متوتر مع الولايات المتحدة واهتزاز الاتفاق النووي الذي كان حينها على رأس الأولويات.

يمكن القول إن ظريف على مدى سنوات الثورة خبز وعجن الأميركيين طويلا، بل ربما عرفهم أكثر مما عرف أبناء جلدته من الإيرانيين، وللتاريخ فهو رغم معرفته الكبيرة بالثقافة والتاريخ والسياسة الأميركية، إلا أنه كان ضحية هذه المعرفة، إيرانيا وأميركيًا.
رغم أنها كانت رأسماله الأهم في ظل مفاوضات سرية في عُمان عام 2013، لحظة اقتراح علي أكبر ولايتي لاسمه على القائد الأعلى آية الله علي خامنئي لتولي وزارة الخارجية، إلا أن معرفته بالأميركيين وأميركا كانت وبقيت تهمته التي وصل البعض بها إلى حد تخوينه واعتباره متآمرًا على الثورة ونظامها وشخصياتها. سبق ذلك وسمه من قبل البعض خلال توليه ممثلية بلاده في الأمم المتحدة وبعد رحيله عنها بأنه عضو في “حلقة نيويورك” والتي كيلت لها اتهامات بالتجسس والتآمر.

الواقع أن الرجل كان استثنائياً في معرفته بأميركا والأمريكيين والغرب بشكل عام، في بلد واحدة من أسس ثورته فكرة “المرض بالتغرّب”. الغرب بالنسبة لكثر منهم هو علة وبلاء، ووزير الخارجية هذا شبّ وشاب هناك، في قلب الغرب. صحيح أنه حافظ على تدينه الثوري كما يروي في كتاب سعادة السفير، إلا أنه كان حاضرا في كل مكان يمكنه الوصول إليه ضمن مسافة الثلاثين كيلومترا إلا قليل المسموح له بالتحرك فيها بسبب القيود على حركة البعثة الإيرانية في أميركا، إلى درجة دفعت ليزا اندرسون، عميدة كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة كولومبيا العريقة، دفعتها لسؤاله عما إذا كانت لديه طموحات للترشح للكونغرس أو الرئاسة في أميركا بسبب كثرة حضوره في المناسبات.

وظريف قبل وزارة الخارجية شيء، وبعدها شيء آخر. في مذكرات وزير الخارجية الأسبق جون كيري وكبيرة المفاوضين الأميركيين وندي شرمان إضاءة على جانب من هذا الانطباع الذي تركه أكثر وزير خارجية إيراني مثير للجدل منذ وزير خارجية الشاه وسفيره في واشنطن وصهره السابق اردشير زاهدي. يقول كيري عنه “لقد صعقني بمصطلحاته باللغة الإنكليزية (…) كان ملما بالسياسة الأميركية، قارئ نهم، طليق، وكان متحدثا مؤمنا باسم نظام إيراني لدينا معه اختلافات جذرية.”
أما وندي شيرمان فقالت في مقابلة مع شبكة NBC “عليك دائما أن تنبه نفسك إلى أنه ليس أميركيا، هو إيراني ولديه مصالح مختلفة، ويحاول انجاز أموراً مختلفة، هذا يصعب كثيرا المفاوضات.”

خلال سنوات توليه وزارة الخارجية، تحولت زياراته إلى العواصم الغربية إلى عرض عضلات في العلاقات العامة، أكان ذلك في نيويورك حيث لا يبقى برنامج رئيسي في أميركا إلا ويظهر عليه بما في ذلك فوكس نيوز ليخطاب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في غرفة جلوسه، أو فيينا حيث تحول الى “سلبريتي” ينتظره الصحفيون من الشرفة ليعطهم مؤشرات حول مسار المفاوضات. كانت تلك وصفة خبيثة استعملها لسرقة الانتباه من بقية الوفود المفاوضة ولتمرير رسائل وقولبة النقاش بما يمكن أن يفيد الوفد الإيراني تفاوضيا. مع ذلك فهو لم يعترف بالأمر قط.

تلك كانت أفضل أيامه، وكانت نفسها علة كثرة خصومه. كان الاتفاق النووي بالنسبة له لحظة القمة، وكان التفاوض عليه مسارا شاقا للصعود إليها. لكن الاتفاق عينه كان لحظة القمة الأخيرة وما بعده انحدارا خطيرا تخلله بعض الاستراحات. يقول قائل، ماذا لو نجح الاتفاق وصمد ولم يسقط، ماذا لو لم يُنتخب دونالد ترامب رئيسا لأميركا، ماذا لو لم يخرج ترامب من الاتفاق، كلها فرضيات ليس لها مكان في هذه اللحظة، فالاتفاق كان محكوما في لحظة ما بالسقوط، لأن فجوة الخلاف بين البلدين أكبر من أن يرتقها اتفاق صنع على قاعدة “الجمل بنية والجمال بنية”.
كان إنجازا بالنسبة له، إنجاز بحجم اتفاق قرن حقيقي لو أن باراك أوباما بقي رئيسا لأميركا لأربعة أعوام أخرى، أو أن جون كيري ترشح وفاز في الانتخابات، وهذا كان مستحيلا. اتفاق بدون توقيع كان تفاهما سياسيا، ولأنه تفاهم سياسي بقي حيا إلى الآن لأن رغبة بعض المتفاهمين أن يبقى، لا لأنه ملزم لأحد.

صنع الاتفاق دبلوماسية مختلفة لإيران، وهذا يسجل لظريف، سعى من خلال الدبلوماسية الرقمية التي تبناها منذ اللحظة الأولى لتوليه مسؤوليته لتبديل صورة الدولة المارقة التي تعاقبت الإدارة الأميركية على وسم إيران بها. دخل إلى مبنى الخارجية ولم تكن الدبلوماسية العامة سوى حبر على ورق، وخرج مودعا خليفته حسين أمير عبد اللهيان ومهنئا إياه عبر تويتر، والأخير مستقبلا منصبه الجديد عبر ذات المنصة إلى جانب عشرات الحسابات التابعة لوزارة الخارجية، والسفراء، ونواب الوزير، وغيرهم. العالم تغير دون شك لكن هناك من ساهم بتسريع ادخال هذا التغيير.

في أفضل أيامه استقبل ظريف استقبال الفاتحين في طهران وشبهه البعض ب”أمير كبير” أحد بناة نهضة إيران ورئيس حكومة الشاه ناصرالدين قاجار، لكن أمير كبير انتهى بشكل مأساوي لأنه لم يعرف كيف يصنع لغة مشتركة مع الذين اعتبروه خائنا. في أسوأ أيامه وجد ظريف نفسه وحيدا وتسريباته الصوتية تعرض على الملأ ليسقط آخر جدران الصد التي لديه، لم يكن سهلا على لوبي ظريف في النظام أن يدافع عنه وهو ينتقد قاسم سليماني، الرجل الذي اغتالته أميركا ورسخ حضوره كأسطورة في النظام وفي الحالة الشيعية العابرة للدول، كان التسجيل المسرب لغما داس عليه الدبلوماسي بكثير من اللا-دبلوماسية، وهكذا انفجر فيه بكثير من القسوة.

عندما جرى التسريب كان ظريف في الطائرة قادما إلى قطر، وبدل أن تنتهي الرحلة في يومين امتدت إلى خمسة أيام اخذته إلى عُمان والكويت والعراق. كثر من محبيه كانوا يمنون النفس بعودة من الجولة يليها اعلان بالترشح للانتخابات الرئاسية، بيد أن التسريب رسم للرجل مسارا إجباريا باتجاه بوابة الخروج بأقل الخسائر الممكنة. انتهت الرحلة، أو كي نكون دقيقين أكثر، انتهى مشوار المشي على السلك الرفيع الواصل بين الدبلوماسية كمهنة مجردة وبين الانتماء للثورة، في الخطوة الأخيرة تعثر ظريف لكنه تجنب السقوط القاتل.

*عن موقع “جاده إيران”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى