دولياتسياسة

إنهم أحفاد مالتوس !


                  


طلال الإمام – السويد
أعتقد ان تداعيات ڤيروس كورونا ستتدحرج مثل كرة الثلج  على جميع المستويات السياسية ، الاقتصادية ، الاجتماعية والأخلاقية، وسيتبع ذلك تغير  شكل العالم الحالي وشكل العلاقات بين تكتلاته ودوله بل ربما شكل العلاقات  الاجتماعية بين الناس .
وكما  ذكرنا في مقال سابق فان هذه الجائحة عرت النظام الرأسمالي /النيوليبرالي الذي يفضل  مصلحة رأس المال على حساب ارواح الناس وصحتهم وعلى حساب البيئة  .
أفضل شاهد على ما نقوله  التصريحات  العنصرية الاستعمارية التي اطلقها رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون قائلا لدى تطرقه الى ڤيروس كورونا :  «سيرتفع عدد الحالات بشكل حاد، والواقع أن العدد الحقيقي للحالات أعلى – ربما أعلى بكثير- من عدد الحالات التي أكدناها حتى الآن عن طريق الفحوصات». وحذر جونسون من ان العديد من العائلات: «ستفقد أحباءها قبل الأوان» بسبب الإصابة بالفيروس! كما اطلق نظرية "مناعة القطيع" التي لاقت  ردود فعل سلبية واسعة. تعني هذه  النظرية ليس ثمة مانع من إصابة عدد كبير من السكان بالڤيروس او وفاتهم ، من سيموت هو الأضعف صحيا (كبار السن خاصة ) لكن الأغلبية  ستكتسب مناعة كذا  …..تبع ذلك تحليلات في ذات الاتجاه مؤداها ان الڤيروس لن يصيب سوى كبار السن ،وهذا يعني اعادة التوازن للكرة الأرضية التي تضيق بسكانها .
المعروف ان الرعاية الصحية مكلفة لميزانيات الدول الأوربية بشكل خاص ، وعدد المسنين فيها مرتفع .وبما ان النظام الامبريالي يفكر بجيبه فقط فليس لديه مانع ان أودى ڤيروس كورونا بحياة العديد من المسنين..فذلك اربح وارخص .
ان هذا التفكير ليس بغريب على العقلية الاستعمارية /العنصرية، بل هو احياء للنظرية  المالتوسية التي ابادت شعوبا عبر مختلف أشكال الاستعمار المباشر او عبر الحروب البيولوجية ، الطائفية ، الدينية او الاثنية.فما هو محتوى  هذه النظرية؟
المالتوسية نسبة الى توماس مالتوس (1766-1834) وهو اقتصادي  إنجليزي، بدأ حياته  قسيسا في كنيسة أنجليكانية ثم انتقل  إلى تدريس التاريخ والاقتصاد السياسي والبحث في مجال علم السكان (الديمغرافيا). مالتوس هو صاحب النظرية المشهورة عن السكان إذ يعتبر أن عدد السكان يزيد وفق متوالية هندسية ،بينما يزيد الإِنتاج الزراعي وفق متوالية حسابية  ،أي أن أعداد السكان ستتضاعف بعد كل ربع قرن وستستمر في الزيادة إلى ما لا نهاية ما لم يقف عائق أمام هذا النمو (مجاعات، حروب، أوبئة، كوارث طبيعية، تنظيم النسل…). وهذا الأمر  سيؤدي  حسب زعمه حتمًا إلى نقص الغذاء . اتخذت نظريته  مبررًا للإبادة الجماعية لكثير من الشعوب ،  واستعمار بلدان ، وأجبر ابناء بعض العرقيات المضطهدة كالسود والهنود في أمريكا على إجراء التعقيم القسري ٠
ويتابع : أمام هذا الوضع  إذا لم يتدارك المجتمع نفسه ويضع لأفراده (الفقراء منهم تحديدا) قيودا أخلاقية للتحكم في وتيرة تكاثر أعداد السكان بما يتوافق وقدرته على إنتاج الغذاء، فإن "قوانين الطبيعة" ستفعل فعلها فيه لإعادة التوازن إليه وإرجاع الأمور إلى نصابها، عبر تفشي الأمراض والمجاعات وكثرة الحروب اقتتالا على الموارد تحت سطوة غريزة البقاء عند الإنسان.وبحسب مالتوس، فإن مسؤولية الدولة يجب  أن تتوقف عن تقديم المساعدات الاجتماعية للفقراء، لأن ذلك لا يعينهم حقيقة وإنما يحول بينهم وبين إدراك كونهم السبب الأول في "المأساة" التي يعيشونها، فيشجعهم ذلك على الاستمرار في التكاثر وتزداد حدة المشكلة بسبب المساعدات بدلا من أن تكون السبيل إلى حلحلتها.
من هنا واستنادا الى تصريحات جونسون والمالتوسية ، واستنادا لجرائم النظام الاستعماري في مختلف أنحاء العالم ، والى ان راس المال كان وراء إشعال حربين عالميتين ازهقت ارواح ملايين البشر كما ألحقت اضرارا جسيمة بالبنى التحتية للعديد من البلدان ،نقول استنادا لذلك كله ليس من المستبعد ان يكون مايشهده العالم اليوم بفعل ڤيروس الكورونا تم بفعل فاعل …فعل من يسعى الى الاستئثار  بثروات الأرض ،وان كلف ذلك إبادة الملايين و تخريب البيئة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى