سياسةمحليات لبنانية

إطارعام للإصلاح السياسي المنشود

 

العميد الدكتور عادل مشموشي


إن المأزق السياسي الذي يعاني منه لبنان هو في مرحلة متقدمة وحرجة، فلبنان فعلاً على شفة هاوية إن لم نقل بدأنا بالتَّدحرج  إلى قاعِ يصعب الخروج منه. من هنا وجوب التَّحرك فوراً واتِّخاذِ تدابيرَ وإجراءاتٍ سَريعةٍ للحدِّ من الانهيار، وتبني  سياسات إصلاحيَّة تنمويَّة: سِياسيَّة واقتصادية ومالية واجتماعية وصحيَّة وثقافية، إلاَّ أننا سنركِّزُ على ما ينبغي العمل عليه في الإطار السياسي.
إن مُختلِفَ مُكوِّناتِ المُجتمعُ اللبناني تُجمعُ وتلتقي في السِّياسيَّةِ على أن لبنان وطنٌ نهائيٌّ لكُلِّ أبنائه، وطنٌ مبنيٌّ على المُساواة في الحُقوقِ والواجبات بين جَميعِ الأفرادِ بغضِّ النَّظرِ عن انتِمائهِم الطائفي أو المَذهبي أو الحِزبي أو المناطِقي أو من حيث الجنس؛ وإن الجامِعَ الأساس في ما بينهم هو الانتماءُ الوطني بكلِّ مُقوماتهِ ومُقتضياته. كما تُجمِعُ على أن الدِّفاعَ عن الوطنِ تجاه المَخاطِرِ التي تُهدِّدهُ، هو واجِبٌ وَطني لا مُساومَةَ فيه. من هنا الإجماعُ على التَّصدي لاعتِداءاتِ العدوِّ الإسرائيلي بكُلِّ أشكالهِ وصُوَرهِ، سواء كانت على صُورةِ اعتِداءاتٍ عَسكرِيَّةٍ كلاسيكِيَّةٍ، أم في إطارِ إرهابِ الدَّولةِ، أو عبرَ نشرِ شبكاتِ تجسُّسٍ أو أجهزةِ تَنَصُّت وغيرُ ذلك من السُّلوكيَّاتِ العُدوانيَّة.
وبنتيجةِ مُتابَعةِ الأوضاعِ اللبنانيَّةِ السَّائدةِ، والتَّفكُّرُ في كيفية الخُروجِ من الوَضعِ السِّياسي المتأزِّم، لا بُدَّ من المُبادَرةِ إلى تحديثِ النِّظامِ السياسي وَفقَ أُطُرِ والآليَّاتِ واضحة منها:
أ ـ ترسيخ مفهوم الإنتماء الوطني، والإلتزام بمقتضياته السياسيَّة، والتي توجب إعلاء المصلحة الوطنيَّة وجعلها فوق أيَّة اعتبارات أخرى، سواء كانت دوليَّة خارجيَّة، أو داخليَّة فئويَّة أو شخصيَّة.
ب ـ تشكيلُ لجنةٍ وَطنِيَّةٍ دُستوريَّةٍ تُعنى بإعادَةِ صِياغَةِ الدُّستورِ اللُّبناني صياغة متوازنة ومتكاملة وَفقَ روحِيَّةِ اتِّفاقِ الطائف، وتضمينه ما يلزم من إصلاحات سياسيَّة تكفل عدم تكرار الأزمات الدستوريَّة والسياسيَّة تجنباً لحصول فراغ في السُّلطة، أو تعطيل لعمل المؤسَّساد الدُّستوريَّة بنتيجة المُمارسة السِّياسِيَّة، على أن يَشمُلَ تحديث النُّصوصِ التي أثبتَت المُمارسَةُ السِّياسِيَّةِ وفق ما تضمنته وثيقة الوفاق الوطني "الطائف" أنها تُثيرُ الإلتباس، إما لإغفالها أموراً هامَّةً أو للالتباس في مُفهومِها ودلالاتِها.
ج ـ إجراء ما يلزم من تعديلات في المواد الدستوريَّة كما في نصوص المواد القانونية العاديَّة ذات العلاقة، وذلك بغرض تحقيق أكبر قدر ممكن من الإستقلاليَّة للسلك القضائي، وخاصَّة في موضوع التشكيلات والمناقلات القضائيَّة، ومنع الجمع ما بين الوظيفة القضائيَّة وأي منصب إداري آخر أو عمل في أيَّة لجان. الأمر  الذي سهم في تفرُّغ القضاة لعملهم القضائي الصرف، ومنعهم من ممارسة أيَّة أعمال مدفوعة أخرى بما في ذلك التعليم طيلة فترة انتسابهم للسلك القضائي.
د ـ ترسيخ مبدأ استقلال السُّلطات الدُّستوريَّة (التنفيذيَّة والتَّشريعيَّة والقضائيَّة) عن بعضِها البَعض، بما يكفل التكامل والتعاون في ما بينها في تسيير شؤون البلاد والمواطنين، على أن يُتاح لكُل منها القيام بواجباتها بمعزل عن أيَّة ضغوطات تمارس عليها من باقي السلطات، الأمر الذي يسهم في تفعيل أداء تلك السُّلطات ويحد من الفساد السياسي، والإداري إلى حدِّ ما.
ه ـ تكريس مبدأ فصل النيابة عن الوزارة، لأن من شأن الأخذ بهذا المبدأ تسهيل احترام قواعد الاختصاص في تسمية الوزراء بحيث يختاروا من بين المتخصصين في أهم مجالات عمل الوزارة التي يشغلها كل منهم، كما يسهم في ممارسة السُّلطة التشريعيَّة لمهامها الرقابيَّة على السُّلطة التنفيذيَّة، بحيث لا يشعر النائب بأي حرج كما يمكن أن يشعر به فيما لو كان الوزير أحد زملائه في مجلس النواب.
و ـ تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسيَّة.
ز ـ إقرار قانون اللامركزيَّة الإداريَّة، وتخويل السلطات التمثيليَّة المحليَّة صلاحيات واسعة، وبخاصة في ما خص البيئة والمشاريع الاقتصاديَّة.
ح ـ إقرارُ قانون انتخابي عَصري يقوم على مبدأ النِّسبيَّة، وفق دائرة أنتخابيَّةٍ موسَّعة، ويفضَّل أن تكون على نِطاق الوطن (أي لبنان دائرة انتخابيَّة واحدة)، لأن الدَّائرة الإنتخابيَّة الواسعة تُسهمُ في إنتاج خطاب سياسي أكثرُ اعتدالاً، وبعيداً عن الميول والأهواء الفئويَّة المُتنعصِرة إثنياً أو مناطِقيَّاً أو طائفيَّاً أو مَذهبيَّاً.
ط ـ إجراء إنتخابات نيابيَّة مبكِّرة، على أساس قانون الإنتخابات الجديد المشار إليه في البند السابق، ولمُجاراة التغيرات السياسيَّة التي طرأت على أرض الواقع بنتيجة الأزمات السياسيَّة والإقتصاديَّة والماليَّة التي ألمَّت بلبنان، ولأن الإنتخابات هي المعيار الذي يحدد أحجام القوى السياسيَّة على أرض الواقع، شرط أن تجرى بشفافيَّة ووفق معايير مُتجردة.
ي ـ انتخاب مجلس شيوخ على أساس طائفي ـ مذهبي، بحيث تَنتخِب كُلُّ طائفةٍ أو مذهبٍ مُمثليهِ في مجلسِ الشُّيوخ، وفق نظامٍ أكثري وعلى أساس لبنان دائرة انتخابيَّة واحدة. يُعنى هذا المجلس بالتشريع أو الموافقة على التشريعات الخاصَّة بالأحوال الشَّخصيَّة، وحقوق مختلف الطوائف والمذاهب التي لها أتباع في لبنان.
ك ـ انتخاب مجلس نواب على أساس غير طائفي أو مذهبي، تُغلَّبُ فيه المعاييرُ الوطنيَّةُ على المعاييرِ الطَّائفية والمذهبيَّة.
ل ـ تشكيل مجلس تشريعي عام، بحيث يضم مجلسي الشيوخ والنواب مُجتمعين، ويترأسه رئيس مجلس النواب، يعنى بالتشريع في القضايا الوطنيَّة الهامَّة، والتي لا تندرج ضمن اختصاص مجلس النواب أو مجلس الشيوخ.

م ـ إعطاءُ رئيس الجمهوريَّةِ "باعتباره حامياً للدستور وراعياً لعمل مختلف السُّلُطاتِ الدستوريَّة" صلاحية طرحِ الثِّقةِ بالحكومة، على أن يوجه كتاباً لرئيس مجلس النواب بهذا الخُصوص، يوجب على الأخير توجيه دعوة لعقد جلسة تُخصَّص لطرحِ الثِّقةِ بالحكومةِ خلال مهلة أقصاها شهر من تلقي الكتاب.
ن ـ تكريس المبدأ القائل بأن رئيس الجمهوريَّة حَكم على أداء جميعِ السُّلطات، وبالتالي منحه بعض الصَّلاحِيَّاتِ التي من شأنها تمكينُهُ من لفتِ نظرِ السُّلطةِ المُختصَّةِ من إعادَةِ النَّظرِ في بعضِ القوانين أو المراسيم أو القراراتِ التي تتخِذُها. بحيث يضاف إلى الصلاحيات الواردة في الدستور الأمور التالية:
ـ دعوة أعضاء المجلس النيابي إلى مُشاورات مُلزمة بنتائجها لتسمية رئيس حكومة مكلف لتشكيل الحكومة خلال مُهلة أسبوع من تاريخ استقالة الحكومة أو اعتبارها مُستقلَّة. ويُصدر مرسوماً خلال 48 ساعة يُكلِّفُ بموجبِهِ الشَّخص الذي نال أعلى الأصوات بتَشكيلِ الحُكومَة.
ـ الحق في حل مجلس النواب في حال امتنع عن الإنعقاد لدورتين عاديتين أو استثنائيتين، مهما كانت الأسباب، إن لم يكن عدم الإجتماع يعود لأسباب قاهرة.
ـ يتولى رئيس الجمهوريَّة مَسؤوليَّة التصديق على القوانين والمراسيم والقرارات الحكوميَّة والأمر بنشرها في الجريدة الرسميَّة في حال موافقته عليها؛ أما في حال رفضها أو كان لديه ملاحظات على أي منها، يحق له ولمرة واحدة إعادة القانون إلى مرجعه خلال مهلة شهر بقرار معلل يبين فيه الأسباب الموجبة لردَّه، وعلى المرجع المختص إعادة النَّظَر في القانون أو المرسوم أو القرار المُعاد إليه آخذاً بعين الاعتبار الملاحات الواردة في تعليل رئيس الحكومة، فإن أصر عليه بأغلبيَّة ثلثي الأعضاء اعتبر نافذا يمجرد إحالته إلى رئيس الجمهوريَّة الذي عليه تصديقة ونشره في الجريدة الرسمية.
ص. يقوم رئيس الحكومة المكلف وبناء لاستشارات نيابيَّة ملزمة بالتشاور مع الكتل النيابيَّة والنواب، وخلال مهلة أقصاها شهر من تاريخ تسميته بتأليف الحكومة على ضوء الإستشارات، على أن يكون كامل أعضائها من خارج الندوة البرلمانيَّة. وفور تشكيله الحكومة تعمد إلى إعداد مشروع بيانها الوزاري خلال مهلة شهر وإيداع نسخة عنه لكل من رئاسة الجمهوريَّة والأمانة العامة للمجلس التشريعي (مجلسي النواب والشيوخ).
ع ـ يحدد رئيس مجلس النواب جلسة لمناقشة البيان الوزاري وطرح الثقة بالحكومة خلال مهلة خمسة عشرة يوما، على أن يتم توزيع صور عنه لجميع النواب قبل مهلة خمسة أيام على الأقل من موعد انعقاد جلسة المنافشة، وتطرح الثقة بالحكومة بعد مناقشة بيانها الوزاري، ويتحمل رئيس الحكومة مع أعضائها وحدهم مسؤوليَّة التصويت على جلسة الثقة، وتباشر الحكومة عملها كالمعتاد فور نيلها الثقة. أما إذا لم تنل الحكومة الثقة فيبادر رئيس الجمهورية إلى الدعوة لاستشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس جديد للحكومة غير الرئيس المكلف سابقا. وتعتمد ذات الإجراءات ولحين تحظى الحكومة المشكَّة بالثقة. وإن لم تنجح ثلاث حكومات مشكلة في نيل الثقة يمكن لرئيس الجمهورية الدعوة إلى انتخابات نيابية مبكرة.
ص ـ إطلاق يد الرئيس المُكلَّفِ في عمليَّة تَشكيلِ الحُكومة، وخاصَّة في اختيارِه الوزراءِ من مُستقلين من ذوي الاختصاص والخبراء المشهود لهم في مجال اختصاصِهم، مع مراعاةِ قواعِدِ الاختِصاصِ في توليهم للوِزارات، على أن تحدد مهلة تشكيل الحكومة بمدَّة شهر واحد كحد أقصى، على أن تمثل أمام المجلس النيابي خلال مهلة شهر من تاريخ نشر مرسوم تشكيلها لطرح بيانها الوزاري وطرح الثقة بها.
ق ـ تحمُّل رئيس الحكومة وأعضائها مُجتمعين النتائجِ المترتبة على عَدَمِ نيلِ الحُكومَةِ المُشكَّلةِ ثِقَةِ المَجلِسِ النيابي. على أن تُعادَ الاستِشاراتُ المُلزمَةُ في حالِ عَدَمِ نيلِ الحُكومَةِ المُشكَّلةِ للثِّقة خلال فترة أسبوع كحد أقصى.
ر ـ على رئيس مَجلس الوزراء والوزراء المعنيين التوقيع على المراسيم والقررات المتخذة في مجلس الوزراء إن كان بالإجماع أو بالتصويت بأكثريَّة الأصوات خلال مهلة خمسة عشر يوماً من تاريخ انعقاد الجلسة التي أقر بها، وإلا اعتبر المرسوم أو القرار بمثابة الموقع منه.
ش ـ تفعيل دور المجلس النيابي في مراقبَةِ أعمالِ الحُكومَةِ بدءاً بمنحِها الثِّقَةِ أو حَجبِها عنها على ضوء ما تضمنه بيانها الوزاري والمناقشات التي طالته خلال جلسة الثقة، ويُصار بنهاية المُناقشات إلى طرح الثقة بها، وعلى ضوء نتائج التَّصويت السِّرِّي تنال الحكومة الثقة بأغلبيَّة أصوات النواب الحاضرين، وإن لم تنل ذلك تعتبر فاقدة الثقة، وتستمر في تسيير الأعمال لحين تشكيل حكومة جديدة.
ت ـ يدعو رئيس مجلس النواب أعضاء المجلس إلى جلسة تُخصَّص حصراً لمُناقشة الحُكومة عن أدائها مرة على الأقل كل ثلاثة أشهر، ويمكن لأي من أعضاء مَجلِس النُّواب أو بعضهم خلال جلسة المناقشة توجيهِ الأسئلَةِ إلى الحكومة مُجتمِعَة أو إلى وزير بعينه، كما له (أو لهم) طَرحُ الثِّقَةِ على ضَوءِ المناقشات أو الأجوِبَة التي تدلي بها الحكومة رداً على أسئلة النواب.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى