رأي

أُعذرني يا محمّد..على أيّ كوكبٍ تعيش؟(د.نسيم الخوري)

بقلم الدكتور نسيم الخوري

ترسّخت ملامح مركزية العولمة/السلطة، على الأرجح، في الولايات المتحدة الأميركية دون إثبات واضح لهذه المقولة-الفرضية إلاّ في الفكر العالمي الملح في تحديدها بالقطبية الجاذبة للأجيال الشابة من بلدان العالم، وأقصى طموحهم الهجرة إلى أميركا. صار يُنظر إليها بوصفها المجتمع العالمي الأول ، ومنبع الإيديولوجية العالمية المحتملة حيث فرص النجاح والثروة وحرية الفرد وسيادة الشعب. هذا واقع قد نصادفه كل يوم ومثلنا العديد من شعوب العالم.بالمقابل، هناك دعوات أميركية تقول بانتفاء المركزية وحلول شمسيّة المعلوماتية مكان القوة التقليدية أو الإرثية. بالخلاصة، تؤكد هذه الأفكار على سقوط استراتيجيات القوة لتقوم مكانها ديناميات الجماعة العالمية في خلق الأفكار والأسواق، وإدارة المآزم، وحسن هندسة التعاون الدولي في الميادين الاتصالية على مستوى الكرة.

وما البرهان القاطع على انتفاء سيادة الدول سوى التذكير بهذا النص الأميركي، بعنوان “اعذرني يا محمّد”:

“على أيّ كوكب تعيش أنت. إنك تتكلم عن المشاركة في العولمة كأن ذلك يتضمن خياراً متاحاً لك. العولمة ليست خياراً، وإنما حقيقة واقعة. يوجد اليوم سوق عولمة واحدة، لا حدود لها في المستقبل، والطريقة الوحيدة الممكن أن تنمو فيها هي اللجوء إلى أسواق السندات والأسهم للحصول على الاستثمارات وبيع ما تنتجه مصانعك في أسواق العالم التنافسية. عظمة العولمة هي أن لا أحد سيسيطر فيها لأن أسواقها تشبه الانترنت… لا مركز لسيطرة أميركا ولا للقوى الكبرى ولا لي أنا”.

جاء هذا النص المهم جواباً لوزير مالية أميركا روبرت روبن Robert Robben على رئيس جمهورية ماليزيا مهاتير محمد منذ ربع قرنٍ (أيلول من العام 1997) خلال الاجتماع السنوي لمجلس المصرف الدولي وممثلي صندوق النقد الدولي الذي عُقد في هونغ كونغ. يومها هاجم مهاتير محمد بشراسة مظاهر العولمة والانحدار الأخلاقي في تعامل القوى الكبرى التي كانت خلف الأزمات الكبرى التي عانت منها بلدان جنوبي شرقي آسيا بسبب دفعها إلى فتح أسواقها للمتاجرين بالعملات والأسهم والسندات ممّا دمّر اقتصادياتها وجمّد إمكانيّاتها التنافسية في العالم. أثار هجومه ابتسامات الحاضرين وهزالهم معلّقين بأنّ ما حصل في جنوبي شرقي أسيا سيكتسح العالم. أسأل بدوري اليوم بعد الإعتداء على الخليج : فعلاً على أيّ كوكبٍ نعيش اليوم؟

يمكنني تشبيه سوق العالم الحاضر بقطيع الكتروني يضمّ متاجرين مجهولين بالعملات والأسهم والسندات والمصارف وكل ما يخطر ببالنا يجلسون أمام الكومبيوتر ولا يعترفون بالظروف الخاصة لأية دولة أو مواطن وإنما بقواعدهم وجشعهم وتكديسهم للثروات والمآسي والإفقار ، وكأنها قواعد منسقة إلى حد بعيد. يحدّدون نسبة الادّخار والسرقات التي يفترض تحقيقها على حساب دولتك وشعبك، ومستوى الفوائد ونسبة عجز الموازنة للناتج القومي دون القدرة على اللحاق بهم أو محاكمتهم وعتابهم. ولهذا نسأل:

من هو “صاحب” الدّولة الفعلي اليوم في أية بقعة؟ قد لا يعنيني السؤال مباشرة سوى عن لبنان وبعض الدول العربية حيث لا جواب؟ من هو الذي يبذر حبوب الخرائب والكوارث المتروكة أو المُفاجئة في أحيان كثيرة في بقعٍ حضارية لامعة وناهضة على الخريطة العالمية بالتعاون مع الغرب، لكنها  تبدو ملجومة ومحروسة ومهددة من الخارج في أي لحظة؟

يجدر بنا الرّبط بين الإنهيارات العامة المتنقلة نشهدها مع الألفية الثالثة بتلمّس واضح لاعتداءات مرذولة ومقصودة أو منظّمة في لبنان كما في أعرق بلداننا العربية المتألقة بمعاصرتها ونهوضها العمراني والحضاري، لكنها تيقى عرضة لاعتداءات لا ولن تُصدّق وكأنها أفلام سينمائية. يمكننا تحديدها وفهمها عقلانيّاً لأنها تكون دائماً خارجية دولية مجهولة وشبه معلومة كما يظهر، وتكون أيضاً إقليمية لها علاقة مباشرة بالتحولات الباهرة والنجاحات المشرقة التي تعنينا جميعاً كعرب عندما يصبح التطور السريع أداة للإعتداءات الفعلية لمن يمارسها؟

بصراحة لم نعد نعرف أحياناً أين تبدأ الأمور وأين تنتهي، ولا نجد إطلاقاً تبريرات لما حصل ويحصل من اعتداءات وهجومات لا يمكن توقعها، رافضين بالمطلق مضامينها ومقاصدها وأهدافها، لأنك تجد نفسك ومحيطك في هذا العالم الفجّ القاسي والدموي بلا ألف ولام أي من دون تعريف وهوية واضحة، سوى حال من الضياع والتشويش الدولي المنظّم والمدروس الذي يبحث عن التأسيس وفقاً لمصالحه وأهوائه وأرباحه وأسواقه إلى حدود إعتبار العبث بمسائل خطرة جداً يجب تطويقها قبل حصولها كي لا تكون عبثاً وألعاباً لزجة في دوائر القرار العالمي. لقد تداخلت الأشياء والأفكار والأذهان والمقاصد فالتبست واختلطت وبانت وكأنها تخرج من لاتناهيها في المنظومية الدولية إلى لا تناه في الفوضى التي تبيض من أعشاشها المظلمة المفاجآت.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى