دولياتسياسة

أزمة كورونا:قتل كبار السن زعزعة لأوروبا وتدمير للإنسانية(1)

 


ليس من قبيل الصدفة أن تنهار الأنظمة الصحية في لحظة سياسية حرجة فضحت سياقات القيادة الرأسمالية للعالم وأصابت حتى الدول التي تنتهج أنظمة موجهة تقترب من الخطط المركزية في مقارباتها للحكم، وهي حقيقة تستعير من النموذج الرأسمالي الصناعي الكثير من معالمه لكنها تعتمد مركزية مشددة في أنظمتها الشمولية التي يُطبق الحزب الحاكم على كل مفاصلها.
المشكلة أنه إلى الآن لم يستطع أحد أن يفك لغز جائحة كورونا ومصدرها وتوقيتها الحقيقي، وظلت بفضل الإحكام الحديدي للمعلومات عصية على التفسير وبعيدة عن الفهم وما ساهم في غموض الواقع وتبيانه ضعف منظمة الصحة العالمية في فرض حضورها في الدول ،وخاصة المؤثرة منها في الاقتصاد العالمي وتحديداً الصين والولايات المتحدة الأميركية بحيث فشلت أجهزتها في توحيد الإجراءات بين الدول لمواجهة أزمة الوباء العالمي وتداعياتها المدمرة على اقتصادات تلك الدول وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وانكماش تلك الاقتصادات وتراجع الناتج المحلي العالمي نتيجة لذلك بحوالي 9 تريليون دولار وانهيار الأنظمة الصحية لمعظم الدول، وفقدان الاحتياجات واللوازم الطبية خاصة الكمامات وأجهزة التنفس الاصطناعي في ظل الضغط الكبير الناتج عن ارتفاع معدلات الإصابات التي تركت آثاراً مرعبة على حياة الإنسان وخاصة كبار السن وتحديداً الذين يعانون من أمراض مزمنة ومشاكل في القلب والرئتين.
لغاية الخامس عشر من شهر نيسان بلغت الإصابات بفيروس كورونا في العالم 2.004.989 مليون إصابة وبلغت الوفيات 126.830 ألفاً وشكلت الوفيات ما نسبته 6.3% من إجمالي الإصابات.
وبالعودة إلى بداية تفشي فيروس كورونا فقد انحصرت معظم الإصابات والوفيات في الصين والتي بلغت 82295 إصابة و 3342 حالة وفاة ،ليعيش العالم بعدها رعباً من بعيد  وظل معتقداً بأن هذا الفيروس سيبقى محصوراً في تلك الدولة التي تضاربت الآراء في الأسباب التي أدت إلى ظهوره .كما أخطأت معظم الدول في تقدير إمكانية انتشاره أو التحضير لمواجهته، وركزت التحليلات بمجملها على أن الأسباب تعود لطريقة اعتماد الصينيين على مأكولات غريبة من الحيوانات التي تساعد على انتشار الأوبئة وأعادت إلى الأذهان حقبات من التاريخ القريب والبعيد، كانت الصين أو بعض الدول في آسيا سبباً لانتشار أنواع كثيرة من الفيروسات القاتلة ما وضع الصين في قفص الإتهام والعزلة الدولية بعد مسارعة أغلب الدول لإجلاء رعاياها منها ما شكل نقطة إحراج لدولة بحجم الصين ،التي تعتبر بين أهم الدول في الاقتصاد العالمي ،إن لم يكن في صدارتها مع الولايات المتحدة الأميركية التي تعيش قلقاً دائماً من  هيمنة الصين في المستقبل على التجارة الدولية وقدرتها على التحكم بالإنتاج العالمي ومستويات نموه المستدام.
تمكنت الصين من استعادة زمام المبادرة واعتمدت على سلطتها المركزية وإمكانياتها الضخمة ،ويعتقد البعض بأنها لم تتمكن من إخفاء حجم المشكلة الصحية وخطورتها فقامت بعزل مدن بأكملها بهدف محاصرة مركز الوباء واحتوائه لمنع انتشاره في كافة المدن منعاً لحدوث كارثة صحية تنذر بعواقب يصعب السيطرة على تداعياتها التدميرية، فحصدت نتائج جيدة من إجراءاتها ونجحت في احتواء الفيروس فتراجعت أعداد الإصابات بشكل كبير نتيجة نجاحها في منع الانتشار وتعافى معظم المصابين وخرجت الصين من عزلتها ،وأصبحت محط أنظار العالم بعد نجاح تجربتها في كيفية التعاطي مع الوباء،  بعدما كانت مصدراً رئيسياً له واستطاعت أن تخفف تدريجياً من الإجراءات والقيود على النشاط الاقتصادي في محاولة لعودة الأمور لطبيعتها بموازاة السعي مع الدول الأخرى لإيجاد العلاج أو اللقاح ما يساعد من التخلص من هذه الجائحة الخطيرة .كما وضعت إمكاناتها وخبرتها لمساعدة الدول التي تحتاجها واستنفرت مصانعها لإنتاج المستلزمات الطبية نتيجة النقص الهائل في تلك المستلزمات التي وضعت الدول المتقدمة في مأزق حقيقي نتيجة فشلها في مواجهة الوباء.
ومع الوقت ونتيجة لعدم اتخاذ إجراءات سريعة في العديد من دول العالم ،تسارعت وتيرة الإصابات وارتفعت معدلات الوفيات بشكل كبير ،ما وضع العالم أمام اختبار غير مسبوق منذ عقود ،بحيث عمدت الدول إلى التعاطي مع هذا الوباء بطريقة منفردة متخلية عن التعاون داخل اتحادات وتكتلات إقليمية شكلت لفترات زمنية طويلة إطاراً مقبولاً للتعاون والتنسيق في مواقف عديدة تتعلق بقضايا اقتصادية واجتماعية وعسكرية وأمنية لكنها وجدت نفسها مكشوفة أمام مواطنيها في مواجهة الخطر الذي يهدد حياتهم ، نتيجة تفشي الفيروس وصعوبة استيعاب أعداد الإصابات في مستشفياتها ونقص المستلزمات الطبية التي سرّعت من الوفيات. وهذا الأمر تكرس مع عجز منظمة الصحة العالمية من توحيد الإجراءات ،وتم توجيه انتقادات كثيرة لتلك المنظمة جعلتها في دائرة الاتهام السياسي بإخفاء المعلومات الحقيقية عن الإصابات في الصين وتأخرها في الإعلان عن الفيروس كوباء عالمي للتعاطي معه بجدية من قبل الدول والاستعداد لمواجهته بعد حصول موجة الإنتشار التي أصابتها نتيجة تداخل المجتمعات والعلاقات بين الدول ومخالطة المواطنين لآخرين في دول أخرى قد يكون أصابهم الفيروس.
وقد توجت واشنطن تلك الانتقادات بتعليق مساهمتها المالية لتلك المنظمة البالغة 400 مليون دولار والتي تشكل نسبة 15% من ميزانيتها ،ما أثار غضب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ورفضه لهذا القرار في ظل الأزمة العالمية ما يعيق عمل منظمة الصحة وأية منظمة إنسانية أخرى يمكن أن تساعد على الخروج منها .وحصل كل ذلك بعد التفشي السريع للفيروس في معظم دول العالم وبوتيرة أسرع في الدول الأوروبية ،ما جعل أوروبا القارة الأكثر تضرراً بوباء كورونا المستجد واستحواذها على أكثر من 60% من الإصابات في العالم وبنفس النسبة للوفيات ،وتصدرت إسبانيا قائمة الدول الأوروبية بعد تسجيلها 174060 إصابة و18255 حالة وفاة وبعدها تأتي إيطاليا بنحو 162488 إصابة و21067 حالة وفاة كما سجلت فرنسا 143303 إصابة و15729 حالة وفاة وألمانيا 127548 إصابة و3254 حالة وفاة وبريطانيا 93873 إصابة و12107 حالة وفاة.
وما يثير الاستغراب أن هناك تفاوتاً كبيراً في نسب الوفيات لإجمالي الإصابات بين الدول. ففي حين تتميز هذه النسبة بالإرتفاع في كل من بريطانيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا، والتي بلغت في كل منها على التوالي 12.9% و12.9% و10.9% و10.4%  نجد هذه النسبة منخفضة في ألمانيا بحيث بلغت 2.6% ولا يوجد تفسير منطقي لهذا التفاوت سوى أخذ إجراءات سليمة وقدرة النظام الصحي على استيعاب تداعيات الفيروس .كما تميزت بلجيكا بمعدلات وفيات مرتفع نسبة لإجمالي الإصابات ،بحيث سجلت 31119 إصابة و 4157 حالة وفاة شكلت نسبة 13.3% من إجمالي الإصابات ،مع الإشارة أن النسبة في الصين بلغت 4% وفي كوريا الجنوبية نسبة الوفيات بلغت 2.4% من إجمالي الإصابات التي بلغت 10591 إصابة و255 حالة وفاة وفي سويسرا 4.5% التي سجلت 25936 إصابة و1174 حالة وفاة وفي إيران 6.3% والتي سجلت 74877 إصابة و4683 حالة وفاة ،وكانت من بين أكثر الدول في معدل الإصابات في بداية مراحل انتشار الوباء مع الصين وإيطاليا .كما أن النروج سجلت انخفاضاً كبيراً في معدل الوفيات نسبة للإصابات وهي بحدود 2% بحيث بلغت الإصابات فيها 6623 والوفيات 139 بالرغم من عدم التشدد في الإجراءات والقيود.
ومع أن السويد انتهجت سبيلاً مغايراً لمعظم الدول في تعاطيها مع الأزمة ،واعتمدت على الالتزام الطوعي لتوجيهاتها في التباعد الاجتماعي وأبقت على وتيرة شبه طبيعية لنشاطها وخالفت قواعد منظمة الصحة العالمية، وبررت ذلك بتسجيلها معدلات عادية للإصابات والتي بلغت 11445 إصابة ،لكنها تميزت بمعدل وفيات مرتفع بلغ 1033 حالة وفاة ما نسبته 9% من إجمالي الإصابات كما تميزت السعودية بمعدل وفيات منخفض للإصابات شكل نسبة 1.3% .
أما تركيا فبلغت النسبة 2.1% ولبنان 3.2% ،وسجلت مصر ارتفاعاً في معدل الوفيات نسبة لإجمالي الإصابات والتي بلغت 7.5% ،وتميزت روسيا بانخفاض نسبة الوفيات لإجمالي الإصابات والتي بلغت 0.8% بعد أن سجلت 24490 إصابة و198 حالة وفاة .وسجلت الكويت 1355 إصابة وثلاث حالات وفاة ما نسبته 0.2% من إجمالي الإصابات ،وكذلك فلسطين التي سجلت 308 إصابة وحالتي وفاة ما نسبته 0.6% من إجمالي الإصابات .وسجلت إسرائيل ارتفاعاً في عدد الإصابات بلغت 12200 إصابة و126 حالة وفاة ما نسبته 1% من إجمالي الإصابات.
وهنا لا بد من الإشارة إلى هولندا وكيفية التعامل مع مرضى الكورونا وخاصة كبار السن منهم ،بحيث سجلت ارتفاعاً في أعداد الوفيات نسبة لإجمالي الإصابات بلغت 10.7% .وقد تناقلت معلومات خطيرة من أن هولندا تجبر كبار السن على الموت الإختياري بسبب كورونا عبر كتابة إقرار في وضعهم على جهاز التنفس الاصطناعي من عدمه ،وهذا الأمر يؤكد فضيحة العديد من الدول للتضحية بكبار السن عند قيامها بإجراءات مواجهة الوباء القاتل.
تحتاج أوروبا بعد صدمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وجائحة كورونا القاسية إلى معالجات ضرورية لترتيب البيت الداخلي، وهي ستظل عاجزة عن استعادة دورها الحيوي ما لم تقم بإصلاحات جذرية في أنظمة دولها .وأولى الخطوات الواجب القيام بها انفكاكها من القيود الأميركية وإعادة الإعتبار لإمكاناتها الكبيرة ومقدراتها الصناعية والزراعية والتكنولوجية والعسكرية، ورفع مستويات التعاون في ما بينها في عملية تكاملية تبتعد عن الاندماجية والمبادرة في الانفتاح على العالم، وخاصة الصين وروسيا والدول الآسيوية الصاعدة ومساعدة الدول النامية في الخروج من أزماتها الاقتصادية وفتح أسواقها لمنتجات تلك الدول وممارسة دور قيادي صادق لمحو الصفحات المؤلمة من التاريخ الاستعماري الطويل وبذلها جهوداً جبارة للمحافظة على الإطار التعاوني داخل الاتحاد الأوروبي بالرغم من إضعافه ،بعد خروج بريطانيا منه، والاستعاضة بقدرات دول أخرى داخل أوروبا ،ومنها ألمانيا التي شكلت ولا زالت تستطيع أن تشكل رافعة للنمو داخل الاتحاد، ما يعطي زخماً مطلوباً بعد الضربة التي أصابت أنظمة الدول الصحية نتيجة فيروس كورونا وكشفت ثغرات كبيرة في استعدادها لحالات الطوارىء التي قد تحصل في أي وقت. كما أنها أظهرت المعالجة الفردية للأزمة بدون التنسيق مع الدول الأخرى أو مراعاة ظروفها ما يستدعي وضع استراتيجيات عاجلة داخل الاتحاد بعد ترميم تداعيات ما حصل والانتهاء من الوباء العالمي أو التخفيف من انعكاساته الاجتماعية والاقتصادية والصحية الكارثية.
الدول الأوروبية مدعوة للتعلم من دروس التاريخ، وآخرها فيروس كورونا لتوحيد طاقاتها في ظل العالم المتداخل الذي يؤثر ويتأثر بالأحداث الدولية مهما كانت قريبة أو بعيدة ،بعدما أثبتت التجارب صعوبة السيطرة الكلية على تلك الأحداث أو ضبطها ،كما صعوبة تحكم دولة بمصير العالم مهما كبرت ،كما أن سبل التعاون أقصر الطرق لحفظ السلام العالمي وتحقيق العدالة من أجل الإنسان وكرامته.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى